بدائع الفوائد

صفة الفاعل التي فيها ضميره، أو صفة المفعول، أو صفة (ق/١٣٣ أ) المصدر الذي عَمِل فيها؛ لأن الصفة هي الموصوف من حيث كان فيها الضمير الذي هو الموصوف؛ وذلك نحو: "سرتُ سريعًا" و"جاء ضاحكًا"، و"ضربته قائمًا"، فلم يعمل الفعل في هذا النحو من حيث كان حالًا؛ لأن الحال غير الاسم الذي يدل عليه الفعل؛ ألا تري أنك إن صرحت بلفظ الحال لم يعمل فيها الفعل إلا بواسطة الحرف، نحو: "جاء زيد في حال ضَحِك"، ولا تقول: "جاء زيد حالَ ضحك"؛ لأن الحال غير "زيد"، ولذلك لا تقول: "جاء زيد ضَحِكًا"؛ لأنه غيره، وغير المجيء، فلا يعمل "جاء" فيه إلا بواسطة؛ فإذا قلت: "ضاحكًا" عمل فيه؛ لأن الضاحك هو (ظ/ ١٠١ أ) زيد. وإذا قلت: "جاء مشيًا"، عمل فيه أيضًا، لا من حيث كان صفة لزيد؛ لأنه لا ضمير فيه يعود على "زيد"، ولكن من حيث كان صفة للمصدر الذي هو "المجيء"، فعمل فيه "جاء" كما يعمل في المصدر.

وأما عمله في المفعول من أجله، فإنه لم يعمل فيه بلفظه عندي؛ ولكنه دلَّ على فعل باطن من أفعال النفس والقلب١، أثارَ هذا الفعل الظاهر، وصار ذلك الفعل الباطن عاملًا في المصدر الذي هو المفعول من أجله في الحقيقة، والفعل الظاهر دالٌّ عليه، ولذلك لا يكون المفعول من أجله منصوبًا إلا بثلاثة شرائط:

* أن يكون مصدرًا.

* وأن لا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة.

  1. (١) تحرفت في (ظ ود): "ولا قلت".
565

* وأن يكون من فعل الفاعل المتقدم ذكره.

لْحو: "جاء زيد خوفًا منك ورغبةً"، ولو قلت: "جاء قراءةً للعلم" و"قتلًا للكافر"؛ لم يجز؛ لأنها أفعال ظاهرة، فقد بانَ لكَ أن المجيءَ إنما يُظْهِر ما كان باطنًا خفيًّا، حتى كأنك قلت: جاء زيدٌ مُظْهرًا بمجيئه الخوف أو الرغبة أو الحرص أو أشباه ذلك، فهذه الأفعال الظاهرة تبدي تلك الأفعال الباطنة، فهي مفعولات في المعنى والظاهرة دالة على ما تتضمنها١، فإنَّ جئت بمفعول من أجله من غير هذا القبيل الذي ذكرناه، لم يصل الفعل إليه إلا بحرف، نحو: "جئت لكذا" أو "من أجل كذا"، والله أعلم.

قلت٢: ما أدري أيُّ ضرورة به إلي هذا التعسُّفْ والتكلُّف الظاهر الذي لا يصح لفظًا ولا معنى!! أما اللفظ فإن هذا لو كان معمولًا لعامل مُقدَّر، وهو قولك: يظهر الخوف والمحبة، ونحوه لتلفظوا به ولو مرَّة في كلامهم، فإنه لا دليل عليه من سِياق ولا قرينة، ولا هو مقتضى الكلام فيصح إضماره، فدعوى إضماره ممتنعة.

وأما فساده من جهة المعنى فمن وجوه عديدة:

منها: أَن المتكلِّم لا يخطُر (ق/١٣٣ ب) بباله هذا المعنى بحال، فلا يخطر ببال القائل: "زُرْتك محبة لك": زرتك مُظْهِرًا لمحبتك، ولا بقوله: "تركت هذا خوفًا من الله": تركته مُظْهِرًا خوفي من الله، وهذا أظهر مِن أن يُحْتاج إلى تقديره.

الثاني: أنه إذا كان التقدير ما ذكر خرَجَ الكلام عن حقيقته ومقصوده؛

  1. (١) "النتائج": "تنصبها".
  2. (٢) التعليق لابن القيم ﵀.
566

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي