بدائع الفوائد

إذ لا يبقى فيه دليل على أنه هو علة الفعل الباعثة عليه، فإنه إذا قال: "خرجتُ مُظْهِرًا ابتغاء مرضات الله" مثلًا، لم يدل ذلك على أن الباعثَ له على الخروج ابتغاء مرضات الله؛ لأن قوله: "مظهرًا١ كذا" حال، أي: خرجتُ في هذه الحال، فأين مسألة الحال من مسألة المفعول لأجله٢؟!.

الثالث: أن المفعول له هو علة الفعل، وهي إِمَّا علة فاعلية أو غائية، وكلاهما ينتصب على المفعولية، تقول: "فعلت ذلك خَوْفًا، وقعدت٣ عن الحرب جُنبًا، وأمسكَ عن الإنفاق شُحًّا"، فهذه أسبابٌ حاملة على الفعل والترك لا أنها٤ هي الغايات المقصودة منه، وتقول: "ضربته تأديبًا، وزرته إكرامًا، وحبسته صِيَانة"، فهذه غايات مطلوبة من الفعل. إذا ثبت هذا؛ فالمعلِّل إذا ذكر الفعل طلب المخاطَب منه الباعث عليه لما في النفوس من طلب الأسباب والغايات في الأفعال الاختيارية شاهدًا وغائبًا، فإذا ذكر الباعث أو الغاية، وهو المراد من الفعل كان مخبرًا بأن هذا هو مقصوده وغايته، والباعث له على الفعل، فكان اقتضاء الفعل اللفظي له كاقتضاء الفعل الذي هو حَدَث له، فصحَّ نصبُه له٥ كما كان واقعًا لأجله، وهذا بحمد (ظ/١٠١ ب) الله واضح، فتأمله٦.

  1. (١) من قوله: "مثلًا لم ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
  2. (٢) (٢): "من أجله".
  3. (٣) (ق): "فعلت ذاك خوفًا وقعد ... ".
  4. (٤) (ق): "لأنها".
  5. (٥) ليست في (ق).
  6. (٦) من (ق).
567

فصل

قال١: "إذا كانت الحال صفةً لازمةً للاسم، كان حملها عليه على جهة النعت أولى بها، وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت الإخبار عنه بالفعل صلح٢ أن تكون حالًا، لأنها مشتقة من التحول، فلا تكون إلا صفة يتحول عنها، ولذلك٣ لا تكون إلا مشتقة من فعل؛ لأن الفعل حركة غير ثابتة، وقد تجيء غير مشتقة، لكن في معنى المشتق، كقوله ﷺ: "وأحيانًا يَتَمَثَّلُ لي الملَكُ رَجُلًا"٤، أي: يتحوَّل عن حاله ويعود متصورًا في صورة الرجل، فقوله: "رجلًا" في قوة: "متصورًا بهذه الصورة"، وأما قولهم: "جاءني زيد رجلًا صالحًا"، فالصفة وطَّأت الاسم للحال، ولولا "صالحًا" ما كان "رجل" حالًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ " [الأحقاف: ١٢].

قلت٥: وعلى هذا فيكون أقسام الحال أربعة: (ق/ ١٣٤ أ)، مقيدة، ومقدَّرة، ومؤكَدة وموطِّئة.

"فإنَّ قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد في الموطئة؟ وهلا اكتُفي بالمشتق فيها؟.

قيل: في ذكر الاسم موصوفًا بالصفة في هذا الموطن، دليل على لزوم هذه الحال لصاحبها، وأنها مستمرة له، وليس كقولك: "جاءني

  1. (١) أي السهيلي في "نتائج الفكر": (ص/٣٩٦).
  2. (٢) (ظ ود): "صح".
  3. (٣) (النتائج): "وكذلك".
  4. (٤) قطعة من حديث صفة الوحي، أخرجه البخاري رقم (٢)، ومسلم رقم (٦) من حديث عائشة ﵂.
  5. (٥) التعليق لابن القيم ثم يعود الكلام للسُّهيلي.
568

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي