بدائع الفوائد

فصل

قال١: "إذا كانت الحال صفةً لازمةً للاسم، كان حملها عليه على جهة النعت أولى بها، وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت الإخبار عنه بالفعل صلح٢ أن تكون حالًا، لأنها مشتقة من التحول، فلا تكون إلا صفة يتحول عنها، ولذلك٣ لا تكون إلا مشتقة من فعل؛ لأن الفعل حركة غير ثابتة، وقد تجيء غير مشتقة، لكن في معنى المشتق، كقوله ﷺ: "وأحيانًا يَتَمَثَّلُ لي الملَكُ رَجُلًا"٤، أي: يتحوَّل عن حاله ويعود متصورًا في صورة الرجل، فقوله: "رجلًا" في قوة: "متصورًا بهذه الصورة"، وأما قولهم: "جاءني زيد رجلًا صالحًا"، فالصفة وطَّأت الاسم للحال، ولولا "صالحًا" ما كان "رجل" حالًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ " [الأحقاف: ١٢].

قلت٥: وعلى هذا فيكون أقسام الحال أربعة: (ق/ ١٣٤ أ)، مقيدة، ومقدَّرة، ومؤكَدة وموطِّئة.

"فإنَّ قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد في الموطئة؟ وهلا اكتُفي بالمشتق فيها؟.

قيل: في ذكر الاسم موصوفًا بالصفة في هذا الموطن، دليل على لزوم هذه الحال لصاحبها، وأنها مستمرة له، وليس كقولك: "جاءني

  1. (١) أي السهيلي في "نتائج الفكر": (ص/٣٩٦).
  2. (٢) (ظ ود): "صح".
  3. (٣) (النتائج): "وكذلك".
  4. (٤) قطعة من حديث صفة الوحي، أخرجه البخاري رقم (٢)، ومسلم رقم (٦) من حديث عائشة ﵂.
  5. (٥) التعليق لابن القيم ثم يعود الكلام للسُّهيلي.
568

زيد صالحًا"، لأن "صالحًا" ليس فيه غير لفظ الفعل، والفعلُ غير دائم. وفي قولك: "رجلًا صالحًا"، لفظ "رجل" وهو دائم، فلذلك ذُكِر.

فإنَّ قيل: كيف يصح في: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أن يكون حالًا وليست وصفا منتقلًا، ولهدا لو قلت: "جاءني زيدُ قرشيًّا أو عربيًّا"، لم يَجُز؟.

قيل: قوله: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من الضمير في ﴿مُصَدِّقٌ﴾ لا من ﴿كِتَابٌ﴾، لأنه نكرة والعامل في الحال ما في ﴿مُصَدِّقٌ﴾ من معنى الفعل، فصار المعنى أنه مصدق لك في هذه الحال، والاسم -الذي هو صاحب الحال- قديم، وقد كان غير موصوفٍ بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى ومن خلا من الرسل، وإنما كان عربيًّا حين أُنزِل على محمد ﷺ مصدقًا له ولما بين يديه من الكتاب، فقد أوضحت فيه معنى الحال، وبَرِحَ الإشكال.

قلت١: كلا، بل زدت الإشكال إشكالًا! وليس معنى الآية ما ذهبت إليه! وإنما: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من "كتاب"، وصحَّ انتصاب الحال عنه مع كونه نكرة لكونه قد وُصِف، والنكرة إذا وُصِفت انتصب عنها الحال لتخصصها بالصفة، كما يصح أن يُبْتدأ بها.

وأما قوله: "إن المعنى مصدق لك"، فلا ريبَ أنه مصدق له، ولكن المراد من الآية: أنه مصدق لما تقدَّم من كتب الله -تعالى- كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال: ﴿الم ١ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ١ - ٣]، وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ

  1. (١) التعليق الطويل لابن القيم ﵀ وفيه الرد على السُّهيلي إذ اختار قول الكلَّابية.
569

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي