قلت: "هذا زيد قائمًا"، نبهت الإشارة١ المخاطب على النظر، فكأنك قلت: "انظر إلى زيد قائمًا"، لأن الاسم الذي هو "ذا" [ليس]٢ هو العامل، ولكن مشعر ومنبه على المعنى العامل في الحال، وذلك المعنى (ظ/ ١٠٣ أ)، هو "انظر".
ومما أغنت فيه "الألف واللام" عن الإشارة قولهم: "اليومَ قمتُ"، و"الساعةَ جئت"، و"الليلةَ فعلتُ"، و"الآن قعدتُ"، اكتفيت بالألف واللام عن أسماء الإشارة.
قلت٣: ليس المراد بقول النحاة: "حال مؤكدة" ما يريدون بالتأكيد في باب التوابع٤. فالتأكيد المبوَّب له هناك أخص من التأكيد المراد من الحال المؤكدة، وإنما مرادهم بالحال المؤكدة المقررة لمضمون الجملة بذكر الوصف الذي لا يفارق العامل ولا ينفك عنه، وإن لم يكن معنى ذلك الوصف هو معنى الجملة بعينه، وهذا كقولهم: "زيد أبوك عطوفًا"، فإنه كونه عطوفًا ليس معنى كونه أباه، ولكن ذِكْر أبوته تشعر بما يلازمها من العَطْف، وكذلك قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾[فاطر: ٣١] فإنَّ ما لين يديه٥ حقٌ، والحق يلازمه تصديق بعضه بعضًا.
وقوله: "ليس من شرط الحق أن يكون مصدِّقًا لفلان"، يقال: ليس هذا بنظير لمسألتنا، بل الحقُّ يلزمه لزومًا لا انفكاك عنه تصديق بعضه بعضًا، فتصديق ما بين يديه من الحق هو من جهة كونه حقًا. فهذا
(١) من قوله: "على العامل ... " إلي هنا ساقط من (د).
(٢) زيادة ليستقيم السياق.
(٣) التعليق لابن القيم ﵀.
(٤) (ق): "الموانع".
(٥) "فإنَّ ما بين يديه" سقط من (ق).
(ق/١٣٦ أ) معنى قولهم: "إنها حال مؤكدة" فافهمه. والمعنى: أنه لا يكون إلا على هذه الصفة، وهي مقررة لمضمون الجملة، فإن كونه مصدقًا للحق المعلوم الثابت، مقرِّرٌ ومؤكِّدٌ ومبينٌ لكونه حقًا في نفسه.
وأما قوله: "إنها حال من المجرور في قوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾[البقرة:] والمعنى: يكفرون به مصدقًا لما معهم"، فهذا المعنى وإن كان صحيحًا لكن ليس هو معنى الحال في القرآن حيث وقعت بهذا المعنى، وهب أن هذا يمكن دعواه في هذا الموطن، فكيف يقول في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾[فاطر: ٣١] والكلام والنظم واحد!!.
وأيضًا فالمعنى مع جَعْل١﴿مُصَدِّقًا﴾ حالًا من قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أبلغ وأكمل منه إذا جُعِل حالًا من المجرور، فإنه إذا جُعِل حالًا من المجرور يكون الإنكار قد توجَّه عليهم في كفرهم به، حالَ كونه مصدقًا لما معهم، وحالَ كونه حقًّا، فيكونان حالًا من المجرور، أي: يكفرون به في هذه الحال وهذه الحال، وإذا جعِل حالًا من مضمون قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾، كان المعنى: يكفرون به حال كونه حقًّا مصدِّقًا لما معهم، فكفروا به في أعظم أحواله المستلزمة للتصديق والإيمان به، وهو اجتماع كونه حقًا في نفسه وتصديقه لما معهم، فالكفر به عند اجتماع الوصفين فيه يكون أغلظ وأقبح، وهذا المعنى والمبالغة لا تجده فيما إذا قيل: يكفرون به حالَ كونه حقًا، وحالَ كونه مصدقًا لما معهم. فتأمله فإنه بديع جدًّا، فصحَّ قولُ النحاة والمفسرين في الآية، والله أعلم.