فإن قلت: فمن هاهنا قالوا: إن "كان" هاهنا تامة غير ناقصة، بل قد خلعوا منها الدلالة على الزمان، وجرَّدوها لنفس الحَدَث.
قلت: هذا كلام من لم يحصِّل معنى "كان" التامة والناقصة كما ينبغي، فإن كان الناقصة والتامة يرجعانِ إلى أصل واحد، ولا يجوز إضمار واحد منهما، وكشف ذلك يطُوْل، لكن نشير إلى بعضه، وهو: أن القائل إذا قال: "كان برد وكان مطر"، فهو بمنزلةِ: "وَقَع وحَدَث" وغيرهما من الأفعال اللازمة والزمان [جزء]١ مدلول الفعل، فلا يجوز أن يخلعه ويجرّد عنه وإنما الذي خلِع من "كان" التامة اقتضاؤها خبرًا يُقارن زمانَها، وبقيت تقتضيه مرفوعًا يقارن زمانها كما كان يقارنه الخبر فلا فرقَ بينهما أصلًا، فإن الزمان الذي كان الخبر يقترن به هو بعينه الزمان الذي اقترن به مرفوعها، وينزل مرفوعها في تمامها به منزلةَ خيرها إذا كانت ناقصة، فتأمل هذا السر الذي أغفله كثيرٌ من النحاة!.
ويُبْطل هذا المذهب أيضًا شيءٌ آخر، وهو: كثرة الإضمار، فإن القائل به يضمر ثلاثة أشياء: "إذا" والفعل والضمير، وهذا تعدٍّ لطور الإضمار وقول بما لا دليلَ عليه.
الوجه الثاني: من وجوه الترجيح أنَّ العاملَ في الحال لو كان معنى الإشارة؛ لكانت الإشارة إلى الحال لا إلى الجوهر وهذا باطل، فإنه إنما يُشير إلى ذات الجوهر، ولهذا يصح إشارته إليه وإن لم يكن على تلك الحال، كلما إذا أشار إلى تمر يابس، وقال: "هذا بُسرًا أطيبُ منه رطبًا"، فإنه يصح، ولو كان العامل في الحال (ق/١٣٧ ب)
(١) في الأصول: "خبر"، والمثبت هو الصواب.
هو الإشارة لم تصح المسألة.
الوجه الثالث: أنه لو كان العامل معنى الإشارة لوجب أن يكون الخبر عن الذات مطلقًا؛ لأن تقييد المشار إليه باعتبار الإشارة إذا كان مبتدأً لا يوجب تقييد١ خبره إذا أخبرتَ عنه، ولهذا تقول: "هذا ضاحكًا أبي"، فالإخبار عنه بالأبوَّة غير مقيد بحال ضحكه بل التقييد للإشارة فقط، والإخبار بالأبوة وقعَ مطلقًا عن الذات، فاعْتَصِمْ بهذا الموضع، فإنه ينفعك في كثير من المواضع، وإذا عُرِف هذا وجب أن يكون الخبر بـ "أطيب" وقعَ عن المشار إليه مطلقًا.
الوجه الرابع: أن العامل لو لم يكن هو "أطيب" لم تكن الأطيبية مقيدة بالبُسْرية، بل تكون مُطْلقة، وإذا لم تكن مقيَّدة فسد المعني، لأن الغرض تقييد الأطيبية (ظ/ ١٠٤ ب) بالبُسرية مفضَّلة على الرُّطَبية، وهذا معنى العامل، وإذا ثبت أن الأطيبية مقيدة بالبسرية وجبَ أن يكون "بُسرًا" معمولًا في "أطيب".
فإن قلت: فلأجل هذا قدرنا الظرف المقيد حتى يستقيم المعني، وقلنا: تقديره: "هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا"، أي: هذا في وقت بُسْريته أطيب منه في وقت رُطَبيته.
قلت: هذا يحتاج إليه إذا لم يكن في اللفظ ما يغني عنه ويقوم مقامه، فأما إذا كان مَعَنا ما يغني عنه، فلا وجهَ لتكلُّف إضماره وتقديره.
فإن قلت: لو كان العامل هو "أطيب" لزم منه المحال، لأنه يستلزم تقييده بحالين مختلفين، وهذا ممتنع.