بدائع الفوائد

"زيد يوم الجمعة أطيب منه يوم الخميس"، جازَ؛ لأن العامل في أحد اليومين غير العامل في اليوم الثاني؛ لأنك فضَّلْتَ حين قلت: "أطيب" أو "أصح" أو "أقوم" صحةً وقيامًا على صِحَّةٍ أُخرى وقيام آخر، وفضلت حالًا من حالٍ بمزية وزيادة، وكذلك حين قلت: "هذَا بُسْرًا أطيب منه رطبًا"، ولا يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين، إلا أن يتداخلا، ويصح الجمع بينهما، نحو قولك. "زيد مسافر يومَ الخميس ضَحْوةً"، لأن الضحوة داخلة في اليوم، وكذلك: "سِرْت راكبًا مسرعًا" لدخول الإسراع في السير وتضْمُّنِه له، ولو قلت: "سِرْت مسرعًا مبطئًا"، لم يجز؛ لاستحالة الجمع بينهما إلا على تقدير الواو، أي: مسرعًا تارة ومبطئًا أخرى، وكذلك: "بسرًا ورطبًا" يستحيل أن يعمل فيهما عامل واحد، لأنهما غير متداخِلَيْن هذا هو الجواب الصحيح عندي.

وأجاب طائفةٌ بأن قالوا: أفعل التفضيل في قوة فعلين؛ لأن معناه: حَسُن وزاد حُسْنه، وطاب١ وزادَ طِيْبه، وإذا كان في قوة فعلين، فهو عامل في "بُسرًا" باعتبار حَسُن وطاب، وفي "رطبًا" باعتبار زادَ، حتى لو فككت٢ ذلك لقلت: هذا زادَ بُسْرًا في الطيب على طيبه في حال كونه رطبًا، (ظ/١٠٥ أ) فاستقام المعنى المطلوب، وهذا جواب حَسَن، والأول أمتن، فتأملهما.

فصل

وأما السؤال الرابع: وهو تقديم معمول أفعل التفضيل عليه،

  1. (١) "وطاب" ليست في (ق).
  2. (٢) (ق): "ملكت".
584

فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: لا نسلم امتناع تقديم معموله عليه، وقولكم الاتفاق واقع على امتناع: "زيد منك أحسن"، غير صحيح، لا اتفاق في ذلك، بل قد جَوَّر بعض النحاة ذلك واستدل عليه بقول الشاعر١:

* جَنَى النحلِ أو ما زوَّدَتْ منه أَطْيبُ *

قال هؤلاء: وأفعل التفضيل لما كان في قوة فعلين جاز تقديم معموله عليه. قالوا: وتقديمه أقوى من قولك: "أنا لك محب"، و"فيك راغب"، و"عندك مقيم"، ولاستقصاء الحجج في هذه المسألة موضع آخر.

الوجه الثاني: سلَّمنا امتناع تقديم معموله عليه، ولا يقال: "زيد منك أحسن"، فهذا الأمر يختص بقولهم: "منك" لا يتعدى إلى الحال والظرف، وذلك لأن "منك" في معنى المضاف إليه، بدليل أن قولهم: "زيد أحسن منك"، بمنزلة: "زيد أحسن الناس" في قيام أحدهما مقام الآخر، وأنهم لا يجمعون بينهما، فلما قام المضاف إليه مقامه، لكونه (ق/ ١٣٨ ب) المفضل عليه في المعنى، كرهوا تقديمه على المضاف لأنه خلاف لغتهم، فلا يلزم من امتناع تقديم معمولٍ هو كالمضاف إليه امتناع تقديم معمول ليس كهو، وهذا بين.

وجواب ثالث: وهو أنهم إذا فضلوا الشيءَ على نفسه باعتبار حالين فلا بد من تقدُّم أحدهما على العامل، وإن كان مما لا يسوغ

  1. (١) هو: الفرزدق، "ديوانه": (ص/ ٣٢)، وصدره:
    * وقالت لنا أهلًا وسهلًا وزوَّدت *
585

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي