تقديمه لو لم يكن كذلك، فإذا فضلوا ذاتين باعتبار حالين، قدَّموا أحمدهما على العامل وأخَّروا الآخر عنه، فقالوا: "زيد قائمًا أحسن منه١ قاعدًا"، وكذلك في التشبيه أيضًا يقولون: "زيد قائمًا كعَمْرو قاعدًا"، وإذا جاز تقديم هذا المعمول على "الكاف" التي هي أبعد في العمل من باب أحسن، فتقديم٢ معمول "أحسن" أجدر، والغرض هنا بهذا الكلام تفضيل هذه "التمرة" في حال كونها "بُسرًا" عبيها في حال كونها "رطبًا".
فصل
وأما السؤال الخامس: وهو متى يجوز أن يعمل العامل الواحد في حالين؟ فقد فرغنا من جوابه فيما تقدم، وأن ذلك يجوز إذا كانت إحدى الحالين متضمنة للأخرى، نحو: "جاء زيد راكبًا مسرعًا"، وكذلك يعمل في الظرفين إذا تضمَّن أحدُهما الآخر، نحو: "سِرْتُ يوم الخميس بُكرة".
فصل
وأما السؤال السادس: وهو هل يجوز التقديم والتأخير في الحالين أم لا؟.
فالجواب عنه: أن الحال الأولى يجوز فيها ذلك، لأن العامل فيها لفظي، وهو ما في "أطيب" من معنى الفعل، فلك أن تقول: "هذا بسْرًا أطيبُ منه رُطَبًا"، وأن تقول: "هذا أطيب بسرًا منه رطبًا"، وهو الأصل.
(١) كذا فى الأصول، ولعله: من عَمرو.
(٢) (ق): "فيقول".
فإن قلت: إذا كان هذا هو الأصل، فلِمَ مثلَّ سيبويه١ بها مقدمة، وكان ذلك أحسن عنده من أن يؤخرها؟.
قلت: كأنه أراد تأكيد معنى الحال فيها؛ لأنه ترجم عن٢ الحال، فلو أخرها لأشبهت التمييز؛ لأنك إذا قلت: "هذا الرجل أطيب بسرًا من فلان "، فبسرًا -لا محالة- تمييز، وإذا قدمت "بسرًا" على "أطيب من كذا" فبسرًا -لا محالة- حال، ولا يصح أن يُخْبر بهذا الكلام عن رجل ولا عن شيءٍ سوى التمر وما هو في معناه. فإذا قلت: "هذا [أطيب] بسرًا"، احتمل الكلام قيل تمامه وقبل النظر (ظ / ١٠٥ ب) في قرائن أحواله أن يكون "بُسرًا" تمييزًا، وأن يكون حالًا، وبينهما في المعنى فرقٌ عظيم، فاقتضى تَحْصِين المعنى والحرص على البيان للمراد تقديم الحال الأولى على عاملها، ولو أخرت لجاز.
وأما الحال الثانية: فلا سبيل إلى تقديمها على عاملها لأنه معنوي، (ق / ١٣٩ أ) والعامل المعنوي لا يُتَصور تقديم معموله عليه؛ لأن العامل اللفظي إذا تقدم عليه منصوبه الذي حقه التأخير، قلت فيه: مقدَّم في اللفظ مؤخَّر في المعنى، فقسمت العبارة بين اللفظ والمعنى٣، فإذا لم يكن للعامل وجود في اللفظ لم٤ يتصور تقديم المعمول عليه؛ لأنه لابد من تأخير المعمول على عامله في المعنى، فلا يوجد إلا بعدَه وعامله متقدِّم عليه، لأنه مَنْويّ غير ملفوظ به، فلا