بدائع الفوائد

تذهب النية والوهم إلى غير موضعه، بخلاف اللفظي فإن محل اللفظ اللسان ومحل المعني القلب، فإذا ذهب اللسان باللفظ إلى غير موضعه١، لم يذهب القلب بالمعنى إلا إلى موضعه، وهو التقديم.

فصل

وأما السؤال السابع: وهو كيف٢ يتصور الحال في غير المشتق؟.

فاعلم أنه ليس لاشتراط الاشتقاق حجة، ولا يقوم على هذا الشرط دليل، ولهذا كان الحُذَّاق من النحاة على أنه لا يشترط، بل كلُّ ما دلَّ على هيئةٍ صحَّ أن يقع حالًا، فلا يشترط فيها إلا أن تكون دالة على معنى متحول، ولهذا سميت حالًا كما قال:

لَوْ لم تَحُلْ ما سُمِّيَتْ حالاوكلُّ ما حالَ فَقَد زالا

فإذا كان صاحبُ الحال قد أوقع الفعلَ فى صفةٍ غير لازمةٍ للفعل، فلا تُبال أكانت مشتقة أم غير مشتقة؛ فقد جاء فى الحديث: "يتمثَّلُ لي الملكُ رَجُلًا"٣ فوقع "رجلًا" هنا حالًا؛ لأن صورة الرجليَّة طارئة على الملَك فى حال التمثُّل، وليست لازمة للملَك إلا في وقت وقوع الفعل: منه وهو التمثل، فهي إذًا حال؛ لأنه قد تحول: إليها، ومثله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] ومثله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، ومثله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا﴾ [مريم: ١٧]، ويقولون: "مررتُ بهذا العودِ شَجَرًا ثم مررتُ به رَمَادًا"، و"هذا زيد أسدًا"، وتأويل هذا كلَّه بأنه معمول الحال، والتقدير: يُشْبِه، بعيدٌ

  1. (١) من قوله: "بخلاف اللفظي .... " إلى هنا ساقط من (د).
  2. (٢) (ق): "كيف لم".
  3. (٣) تقدم تخريجه ٢/ ٥٦٨.
588

جدًّا، وكذا تأويل ذلك كله١ بمشتقّ تعسُّف ظاهر، والتحقيقُ ما تقدَّم، وأنها كلها أحوال، وإن كانت جامدة؛ لأنها صفات يتحول الفاعل إليها، وليس يلزم في الصفات أن تكون كلها فِعْلية، بل منها نفسيَّة ومعنويَّة وعدمِيَّة، وهي صفة النفي، وإضافية وفعلية، ولا يكون من جميعها حالًا إلا ما كان الفعلُ واقعًا فيه وجاز خُلُوه عنها، فأما ما كان لازمًا للاسم مما لا يجوز خلوه (ق/١٣٩ ب) عنه، فلا يكون حالًا منتصبة بالفعل، نحو قولك: قرشي، وعربى، وحبشي، وابن، وبنت، وأخ، وأخت، فكلُّ هذه لا يُتَصوَّر وقوعها أحوالًا؛ لأنها لا تتحوَّل.

فصل

وأما السؤال الثامن: وهو إلى أيِّ شيءٍ وقعت الإشارة بقولك: هذا؟.

فالجواب: أن متعلَّق الإشارة هو الشيء الذي تتعاقب عليه هذه الأحوال، وهو ما تخرجه النخل من أكمامها فيكون بَلَحًا، ثم يكون سَيَابًا، ثم جَدَالًا٢، ثم بُسرًا إلى أن يكون رُطَبًا، فمتعلَّق الإشارة المحل الحامل لهذه الأوصاف، فالإشارة إلى شيءٍ ثالث غير البسر والرطب، وهو حامل البسريَّة والرطبيَّة (ظ/ ١٠٦ أ)، وقد عرفت بهذا أنه لا ينبغي تخصيص الإشارة بقولهم: إنها إلى البلح أو الطلع أو الجَدَال، كلُّ ذلك تمثيل، والتحقيقُ: أن الإشارة إلى الحقيقة الحاملة لهذه الصفات والذي يدلك على هذا أنك تقول: "زيد قائمًا أخطب

  1. (١) ليست في (ق).
  2. (٢) (ق): "خلالًا"! وانظر "المخصَّص": (١١/ ١٢٠ - ١٢١) لابن سِيْده.
589

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي