جدًّا، وكذا تأويل ذلك كله١ بمشتقّ تعسُّف ظاهر، والتحقيقُ ما تقدَّم، وأنها كلها أحوال، وإن كانت جامدة؛ لأنها صفات يتحول الفاعل إليها، وليس يلزم في الصفات أن تكون كلها فِعْلية، بل منها نفسيَّة ومعنويَّة وعدمِيَّة، وهي صفة النفي، وإضافية وفعلية، ولا يكون من جميعها حالًا إلا ما كان الفعلُ واقعًا فيه وجاز خُلُوه عنها، فأما ما كان لازمًا للاسم مما لا يجوز خلوه (ق/١٣٩ ب) عنه، فلا يكون حالًا منتصبة بالفعل، نحو قولك: قرشي، وعربى، وحبشي، وابن، وبنت، وأخ، وأخت، فكلُّ هذه لا يُتَصوَّر وقوعها أحوالًا؛ لأنها لا تتحوَّل.
فصل
وأما السؤال الثامن: وهو إلى أيِّ شيءٍ وقعت الإشارة بقولك: هذا؟.
فالجواب: أن متعلَّق الإشارة هو الشيء الذي تتعاقب عليه هذه الأحوال، وهو ما تخرجه النخل من أكمامها فيكون بَلَحًا، ثم يكون سَيَابًا، ثم جَدَالًا٢، ثم بُسرًا إلى أن يكون رُطَبًا، فمتعلَّق الإشارة المحل الحامل لهذه الأوصاف، فالإشارة إلى شيءٍ ثالث غير البسر والرطب، وهو حامل البسريَّة والرطبيَّة (ظ/ ١٠٦ أ)، وقد عرفت بهذا أنه لا ينبغي تخصيص الإشارة بقولهم: إنها إلى البلح أو الطلع أو الجَدَال، كلُّ ذلك تمثيل، والتحقيقُ: أن الإشارة إلى الحقيقة الحاملة لهذه الصفات والذي يدلك على هذا أنك تقول: "زيد قائمًا أخطب
منه قاعدًا"، وقال عبد الله بن سلام لعثمان: "أنا خارجًا أنفع لك مني داخلًا"، فلا إشارةَ ولا مُشَار هنا، وإنما هو إخبار عن الاسم الحامل للصفات التي منها القيام والقعود، ولا يصحُّ أن يكون متعلَّق الإشارة صفة البُسرية ولا الجوهر يقيد تلك الصفة، لأنك لو أشرت إلى البسرية وكان الجوهر يُقيدها، لم يصح تقييده بحال الرُّطبية، فتأمله، فلم يبق إلا أن تكون الإشارة١ إلى الجوهر الذي تتعاقب عليه الأحوال، وقد تبين لك بطلان قول من زعم أن متعلَّق الإشارة في هذا هو العامل في "بسرًا"، فإن العامل فيها إما ما تضمنه "أطيب" من الفعل، وإما "كان" المقدَّرة، وكلاهما لا يصح تعلُّق الإشارة به.
فصل
وأما السؤال التاسع: وهو قوله: هلا قلتم: إنه منصوب على أنه خبر كان؟.
فجوابه: أن "كان" لو أُضْمِرت لأضمر ثلاثة أشياء: الظرف الذي هو "إذا" وفعل "كان": ومرفوعها، وهذا لا نظير له إلا حيث يدلُّ عليه الدليل، وقد تقدم ذلك، وقد منع سيبويه من إضمار "كان" فقال٢: "لو قلت: عبدَ الله المقتولَ، تُرِيد: [كن]٣ عبدَ الله المقتول، لم يَجُز"، وقد تقدم ما يدل على٤ امتناع إضمار "كان"، فلا نطوِّل بإعادته، وإذا لم يجز إضمار كان على٥ انفرادها فكيف يجوز إضمار
(١) من قوله: "صفة البُسْرية ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).