بدائع الفوائد

منه قاعدًا"، وقال عبد الله بن سلام لعثمان: "أنا خارجًا أنفع لك مني داخلًا"، فلا إشارةَ ولا مُشَار هنا، وإنما هو إخبار عن الاسم الحامل للصفات التي منها القيام والقعود، ولا يصحُّ أن يكون متعلَّق الإشارة صفة البُسرية ولا الجوهر يقيد تلك الصفة، لأنك لو أشرت إلى البسرية وكان الجوهر يُقيدها، لم يصح تقييده بحال الرُّطبية، فتأمله، فلم يبق إلا أن تكون الإشارة١ إلى الجوهر الذي تتعاقب عليه الأحوال، وقد تبين لك بطلان قول من زعم أن متعلَّق الإشارة في هذا هو العامل في "بسرًا"، فإن العامل فيها إما ما تضمنه "أطيب" من الفعل، وإما "كان" المقدَّرة، وكلاهما لا يصح تعلُّق الإشارة به.

فصل

وأما السؤال التاسع: وهو قوله: هلا قلتم: إنه منصوب على أنه خبر كان؟.

فجوابه: أن "كان" لو أُضْمِرت لأضمر ثلاثة أشياء: الظرف الذي هو "إذا" وفعل "كان": ومرفوعها، وهذا لا نظير له إلا حيث يدلُّ عليه الدليل، وقد تقدم ذلك، وقد منع سيبويه من إضمار "كان" فقال٢: "لو قلت: عبدَ الله المقتولَ، تُرِيد: [كن]٣ عبدَ الله المقتول، لم يَجُز"، وقد تقدم ما يدل على٤ امتناع إضمار "كان"، فلا نطوِّل بإعادته، وإذا لم يجز إضمار كان على٥ انفرادها فكيف يجوز إضمار

  1. (١) من قوله: "صفة البُسْرية ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
  2. (٢) في "الكتاب": (١/ ١٣٣).
  3. (٣) في الأصول: كان، والتصويب من "الكتاب".
  4. (٤) "ما يدل على" سقطت: من (ق).
  5. (٥) (ق): "في".
590

"إذ" و"إذا" معها!! وأنت لو قلت: "آتيك جاء زيد" تريد: إذا جاء زيد، كان خَلْفًا من الكلام بإجماع، وإذا كان كذلك كان الإضمار من هذا الموطن أبعد؛ لأنه لا (ق/ ١٤٠ أ) يُدرى هاهنا "إذ" تريد أم "إذا"؟ وفي قولك "سآتيك" لا يحتمل إلا أحدهما، بخلاف قولك: "زيد قائمًا أخطب منه قاعدًا"، وإذا بَعُد كل البعد إضمار الظرف هاهنا فاضماره مع "كان" أبعد، ومن قدَّره١ من النحاة، فإنما أشارَ إلى شرح المعنى بضرب من التقريب.

فإنَّ قيل: الذي يدلُّ على أنه لابُد من إضمار "كان": أن هذا الكلام لا يُذكر إلا لتفضيل شيءٍ في زمان من أزمانه على نفسه في زمان آخر، ويجوز أن يكون الزمان المفضَّل فيه ماضيًا وأن يكون مستقبلًا، ولابدَّ من إضمار ما يدل على المراد منهما، فيضمر للماضي "إذ"٢، وللمستقبل "إذا"، و"إذ"٣ و"إذا" يطلبان الفعل، وأعم الأفعال وأشملها فعل الكَوْن الشامل لكلِّ كائن، ولهذا كثيرًا ما يضمرونه، فلابدَّ من فعل يُضاف إليه الظرف، لاستحالة أن تقول: "هذا إذ بُسرًا أطيب منه إذ رطبًا"، فتعين إضمار "كان" لتصحيح الكلام.

قيل: هذا السؤال إنما يلزم إذا أضمرنا الظرف، وإما إذا لم نُضْمره لم نحتج إلى"كان ويكون". وأما قولكم: إنه يفضل الشيءَ على نفسِه باعتبار زمانين، و"إذ وإذا" للزمان؛ فجوابه: أن في التصريح بالحالين المفضل أحدهما على الآخر غُنْية عن ذِكْر الزمان وتقدير إضماره.

  1. (١) (ق): "قلده"!.
  2. (٢) (ق): "فيضمن إذا".
  3. (٣) ليست في (ق) وكذا التي في آخر الفقرة.
591

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي