الصلاة على الصلاة عليه؟ وهلا وقعت البداءة بالصلاة عليه أولًا، ثم أُتبِعَت بالسلام لتصح١ البداءة بما بدأ اللهُ به من تقديمِ الصلاةِ على السلام؟.
السؤال السادس والعشرون: ما الحكمة في كون السلام عليه في الصلاة بصيغة خطاب المواجهة، وأما الصلاة عليه فجاءت بصيغة الغيبة لذكره باسم العلم؟.
السؤال السابع والعشرون: -وهو ما جرَّ إليه طَرْدُ الكلام- ما الحكمةُ في كون الثناء على الله ورد بصيغة الغيبة في قولنا: "التحيات لله"، مع أنه سبحانه هو المناجَى المخاطَب الذي يسمع كلامَنا ويرى مكانَنا، وجاء السلام على النبي ﷺ بصيغة الخطاب مع أن الحال كان يقتضي العكس، فما الحكمةُ في ذلك؟.
السؤال الثامن والعشرون: -وهو خاتمة الأسئلة- ما السرُّ في كون السلام خاتمة الصلاة وهلَاّ كان في ابتدائها، وإذا كان كذلك؛ فما السر في مجيئه معَرَّفًا وهلَاّ جاء منكَّرًا؟.
✽ ✽ ✽
أما السؤال الأول: وهو ما حقيقة هذه اللفظة؟.
فحقيقتُها البراءةُ والخلاص والنجاة من الشرِّ والعيوب، وعلى هذا المعنى تدور تصاريفُها، فمن ذلك قولك: "سلَّمك الله"، و"سَلِم فلانٌ من الشر"، ومنه دعاءُ المؤمنين على الصراط: "ربِّ سَلِّم اللهم سَلِّم"٢،
(١) (ق): "ليقع".
(٢) تقدم تخريجه (١/ ٢٩٤)، وهو حديث الشفاعة الطويل.
ومنه: "سَلِمَ الشيءُ (ق/١٤٢ أ) لفلان"، أي: خَلَص له وحده، فخلص من ضرر الشركة فيه، قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾[الزمر: ٢٩] أي: خالصًا له وحدَه لا يملكه معه غيره. ومنه: السّلْم، ضد الحرب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾[الأنفال: ٦١] لأن كل واحد من المتحاربين يَخلص ويَسْلم من أذى الآخر، ولهذا يبنى منه على المفاعلة، فيقال: المسالمة، مثل المشاركة. ومنه: القلب السليم، وهو النقي من الغِلّ والدَّغل والعيب١، وحقيقته: الذي قد سلِم لله وحده فخَلَص من دغل الشرك وغِلِّتَه، ودغل الذنوب والمخالفات، بل هو المستقيم على صِدق حبه وحسن معاملته، فهذا هو الذي ضَمِن له النجاة من عذابه والفوز بكرامته، ومنه أُخِذ الإسلام، فإنه من هذه المادة؛ لأنه الاستسلام والانقياد لله والتخلص من شوائب الشرك، فسَلِم لربه وخَلَصْ له، كالعبد الذي سلم لمولاه ليس له فيه شركاءُ متشاكسون، ولهذا ضربَ سبحانه هذين المثلين للمسلم المخلص الخالص لربه والمشرك به.
ومنه: السَّلَم للسَّلَفِ٢، وحقيقته: العِوَض المُسْلَم فيه، لأن من هو في ذمته قد ضمن سلامته لربه، ثم سُمِّي العقد: سَلَمًا، وحقيقته ما ذكرناه.