بدائع الفوائد

ترى أن "سقيًا ورعيًا وخيبة" جرى مجرى: "سقاك الله" و"رعاك" و"خيَّبَك"، وكذلك: "سلام عليك" جارٍ مجرى: "سلَّمكَ الله"، والفعل نكرة، فأحبوا أن يجعلوا اللفظ الذي هو جار مجراه وكالبدل منه نكرة مثله.

وأما تعريف السلام في جانب الرادّ؛ فنذكر -أيضًا- أصلًا يُعْرَف١ به سره وحكمته، وهو: أن "الألف واللام" إذا دخلت على اسم السلام تضمنت أربع فوائد:

أحدها: الإشعار بذكر الله تعالى؛ لأن السلام المعرف من أسمائه كما تقدم تقريره.

الفائدة الثانية: إشعارها بطلب معنى السلامة منه للمسلَّم عليه؛ لأنك متى ذكرت اسمًا من أسمائه، فقد تعرَّضت٢ به وتوسَّلت به إلى تحصيل المعنى الذي اشْتُقَّ منه ذلك الاسم.

الفائدة الثالثة٣: أن "الألف واللام" يلحقها معنى العموم في مضمونها، والشمول فيه في بعض المواضع.

الفائدة الرابعة: أنها تقوم مقام الإشارة إلى المعين، كما تقول: "ناولني الكتابَ" و"اسقني الماءَ" و"أعطني الثوبَ"، لِما هو حاضر بين يديك، فإنك تستغني بها عن قولك: "هذا"، فهي مؤدِّية معنى الإشارة.

وإذا عرفت هذه الفوائد الأربع؛ فقول الراد: و"عليك السلام"،

  1. (١) (ق): "ثم يعرف".
  2. (٢) (ظ ود): "يوسف".
  3. (٣) (ظ ود): "الثانية" وما بعدها "الثالثة" وهو من الاضطراب المشار إليه في قليل.
633

بالتعريف متضمِّن للدلالة على أن مقصوده من الردِّ مثل ما ابتدئ به: وهو هو بعينه، (ظ/١١٥ أ) فكأنه قال: ذلك السلام الذي طلبته لي مردود عيك وواقع عليك، فلو أتى بالرد منكَّرًا لم يكن فيه إشعارًا بذلك؛ لأن المعرَّف وإن تعدد ذكره (ق / ١٥١ ب) واتحد لفظه، فهو شيءٌ واحد، بخلاف المنكَّر، ومن فَهِم هذا فَهِم معنى قول النبي ﷺ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْن"١ فإنه أشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦﴾ [الشرح: ٥، ٦] فالعُسْر وإن تكرر مرتين فتكرَّرَ بلفظ المعرفة فهو واحد، واليُسْر تكرَّر بلفظ النكرة فهو يُسْران، فالعُسْر محفوف بيسْرَين، يُسر قبله ويُسْر بعده، فلن يغلب عُسْر يُسْرَين.

وفائدة ثانية: وهي أن مقامات رد السلام ثلاثة: مقام فَضْل، ومقام عَدْل، ومقام ظُلْم، فالفضل: أن يرد عليه أحسن من تحيَّته، والعدل: أن يردَّ عليه نظيرها، والظلم: أن تبخسه حقَّه وتنقصه منها، فاختير للراد أكمل٢ اللفظتين، وهو المعرَّف بالأداة التي تكون: للاستغراق والعموم كثيرًا ليتمكَّن من الإتيان بمقام الفضل.

  1. (١) أخرجه ابن مردويه من حديث جابر مرفوعًا بسندٍ ضعيف، وأخرجه سعيد بن: منصور، وعبد الرزاق في "تفسيره": (٢/ ٣٨٠)، وابن جرير: (١٢/ ٦٢٨)، من حديث ابن مسعود، وسنده ضعيف أيضًا.
    وأخرجه عبد الرزاق في "التفسير": (٢/ ٣٨٥)، والطبري: (١٢/ ٦٢٨)، والحاكم في "المستدرك": (٢/ ٥٢٨)، عن الحسن مرسلًا، وهو صحيح إلى الحسن.
    وقد روي من طرقٍ أخرى موقوفًا ومرسلًا.
    انظر: "فتح الباري": (٨/ ٥٨٢ - ٥٨٣)، و"تعليق التعليق": (٤/ ٣٧٢)، و"الدر المنثور": (٦/ ٦١٦ - ٦١٧)، و"كشف الخفاء": (٢/ ١٩٥).
  2. (٢) (ق): "أجمل".
634

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي