بدائع الفوائد

وقد كان الأولى بنا الإمساك، وكف عِنان القلم، وأن نجريَ معهم في ميدانهم ونخاطبهم بما يألفونه، وأن لا نجلوَ عرائس المعاني على ضَرِير، ولا١ نزف خَوْدَها إلى عِنِّيْن؛ ولكن هذه سلعة وبضاعة لها طُلَاّب، وعروس لها خطَّاب، فستصير إلى أهلها وتُهْدى إلى بعلها، ولا تستطِل الخَطَابة فإنها نَفْثةُ مصدور.

فلنرجع إلى المقصود فنقول: لا ريبَ أن الطلب يتضمن أمورًا ثلاثة؛ طالبًا ومطلوبًا؛ ومطلوبًا منه، ولا تتقوم حقيقته إلا بهذه الأركان الثلاثة، وتغاير هذه ظاهرٌ، إذا كان الطالب يطلب شيئًا من غيره، كما هو الطلب المعروف مثل من يأمر غيرَه وينهاه ويستفهمه٢، وأما إذا كان طالبًا من نفسه، فهنا يكون الطالب هو المطلوب منه، ولم يكن هنا إلا ركنان طالب ومطلوب، والمطلوب منه هو الطالب نفسه.

فإن قيل: كيف يعقل اتحاد الطالب والمطلوب منه، وهما حقيقتان متغايرتان، فكما يتحد المطلوب والمطلوب منه، ولا المطلوب والطالب، فكذلك لا يتحد الطالب والمطلوب منه، فكيف يعقل طلب الإنسان من نفسه؟.

قيل: هذا هو الذي أوجبَ غموضَ المسألة وإشكالَها، ولابد من كشفه وبيانه، فنقول: الطلب من باب الإرادات، والمريد كما يزيد من غيره أن يفعل شيئًا، فكذلك يريد من نفسه هو أن يفعله، والطلبُ النفسيُّ وإن لم يكن الإرادة فهو أخص منها والإرادة كالجنس له، فكما يعقل أن يكون المريد يريد من نفسه فكذلك يطلب من نفسه،

  1. (١) "لا" ليست في (ق).
  2. (٢) من قوله: "كما هو الطلب ... " إلى هنا ساقط من (ق).
642

وللفرق بين الطلب والإرادة، وما قيل في ذلك مكانٌ عير هذا. والمقصود١ أن طلب الحيِّ من نفسه أمر معقول يعلمه كل أحدٍ من نفسه. وأيضًا فمن المعلوم أن الإنسان يكون آمرًا لنفسه ناهيًا لنفسه قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] وقال الشاعر٢:

لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مِثْلَهعارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ
ابدأ بنفسِكَ فانْهَهَا عن غَيِّهافإذا انتهتْ عنه فأنتَ حَكِيْمُ

وهذا أكثر من إيراد شواهده، فإذا كان معقولًا أن الإنسانَ يأمرُ نفسَه وينهاها، فالأمر والنهي طلب، مع أنَّ٣ فوقه آمرًا وناهيًا، فكيف يستحيل ممن لا آمرَ فوقَه ولا ناهٍ أن يطلبَ من نفسه فِعْل ما يحبه وتركَ ما يبغضه٤؟.

وإذا عُرِف هذا؛ عُرِف سرُّ سلامه ﵎ على أنبيائه ورسله، وأنه طلب من نفسه لهم السلامة، فإن لم يتَّسِع لهذا ذهنك فسأزيدكَ إيضاحًا وبيانًا، وهو: أنه قد أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسِه الرحمةَ، وهذا إيجابٌ منه على نفسِه، فهو الموجِبُ، وهو متعلَّق الإيجاب الذي أوجبه، فأوجبَ بنفسِه على نفسه.

وقد أكَّد النبيُّ ﷺ هذا المعنى بما يوضحه كلَّ الإيضاح ويكشف حقيقته٥

  1. (١) (ق): "المطلوب".
  2. (٢) نسبها في (الأغاني): (١٢/ ٨٨)، و"فصل الخطاب": (١/ ٩٣) إلى المتوكل الليثي. ونسبت في بعض المصادر إلى غيره.
  3. (٣) الأصول: "كون" والمثبت من "المنيرية".
  4. (٤) من قوله: "أن يطلب ... " إلى هنا ليس في (ق).
  5. (٥) من قوله: "وقد أكد ... "إلى هنا ليس فى (ق).
643

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي