السلام، كان الأحسن في حقِّ المُسَلِّم على الرسول ﷺ أن يقول: "السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاته"، وإن كان قد ورد: "سلام عليك"، فالمعرفة أكثر وأَصَحّ وأَتَمّ معنًى، فلا ينبغي العدول عنه، ويُشَحّ في هذا المقام بـ "الألف واللام"، والله أعلم.
فصل
وقد عرفت بهذا جواب السؤال الرابع عشر وهو: ما الحكمة في تسليم الله تعالى على يحيى بلفظ النكرة، وتسليم المسيح على نفسه بلفظ المعرفة؟ لا ما يقوله من لا تحصيلَ له: إنّ سلامَ يحيى جَرى مجرى ابتداء السلام في الرسالة والمكاتبة فَنُكِّر، وسلام المسيح جرى مجرى السلام في آخر: المكاتبة فَعُرِّف، فإن السورةَ كالقصةِ الواحدة، ولا يخفى فساد هذا الفرق، فإنهما سلامان متغايران من مُسَلِّمَين:
أحدهما: سلامُ الله تعالى على عباده.
والثاني: سلامُ العبد على نفسه.
فكيفَ يُبْنى أحدهما على الآخر!؛ وكذلك قول من قال: إن الثاني عُرِّف لتقدم ذكره في اللفظ، فكانت "الألف واللام" فيه للعهد، وهذا أقرب من الأول لإمكان أن يكونَ المسيح أشار إلى السلام الذي سلَّمه الله على يحيى، فأراد: أن لي من السلام في١ هذه المواطن الثلاثة مثل ما حصل له، والله أعلم.
فصل
وأما السؤال الخامس عشر: وهو ما الحكمة في تقييد السلام في
(١) (ظ ود): "في مثل".
قصتي يحيى والمسيح صلوات الله عليهما بهذه الأوقات الثلاثة؟.
فسِرُّه -والله أعلم-: أن طلبَ السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظانُّ العَطَب١ ومواطن الوَحْشَة، وكلَّما كان الموضع مظِنَّة ذلك، تأكَّد طلب السلامة وتعلقت بها الهمة، فذُكِرَت هذه المواطنُ الثلاثة؛ لأن السلامةَ فيها آكد، (ظ / ١١٩ أ) وطلبها أهم، والنفسُ عليها أَحْرَص؛ لأن العبدَ فيها قد انتقل من دارٍ كان مستقرًّا فيها مُوَطِّن النفس على صحبتها وسكناها، إلى دار هو فيها معرض للآفات والمِحَن والبلاء، فإن الجنين من حين خرجَ إلى هذه الدار انتصب لبلائها وشدائدها ولأوائها ومحنها وأنكادِها٢، كما أفصحَ الشاعرُ بهذا المعنى حيث يقول٣:
تأمل بكاءَ الطِّفلِ عندَ خروجِهإلى هذه الدُّنيا إذا هو يولدُ
تجدْ تحتَهُ سِرًّا عَجِيبًا كأنهبكلِّ الذي يَلْقاه منها مُهَدَّدُ
وإلا فما يُبْكِيه منها وإِنَّهالأوسعُ مما كانَ فيه وَأَرْغَدُ
ولهذا من حين خرجَ ابتدرته طَعْنَةُ الشيطانِ في خاصرته فبكى لذلك٤، ولما (ق/ ١٥٧ أ) حصل له من الوَحْشة بفراق وطنه الأول، وهو الذى أدركه الأطباء والطبائعيون، وأما ما أخبر به الرسول ﷺ فليس في صناعتهم ما يدلُّ عليه، كما ليس فيها ما يخفيه، فكان طلب
(١) (ق): "الفضل"! و(ظ ود): "مكان العطب".
(٢) (ظ): "وأفكارها".
(٣) رُويت أبيات نحو هذه لابن الرومي في "ديوانه": (ص/ ٣٩٣)، ورويت لغيره أيضًا.
(٤) ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁ البخاري رقم (٣٢٨٦)، ومسلم رقم (٢٣٦٦).