بدائع الفوائد

مرسلان من ربك إليك، وفي إضافة اسم الرب إليه هاهنا دون إضافته إليهما استدعاء لسمعه وطاعته وقبوله، كما يقول الرسول للرجل من عند مولاه: أنا رسول مولاك إليك وأستاذك، وإن كان أستاذهما معًا، ولكن ينبهه بإضافته إليه على السَّمعِ والطاعةِ له، ثم إنهما طلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، ويخلِّيَ بينهم وبينهما ولا يعَذِّبهم، ومن طلبَ من غيرِه تَرْك العدوان والظلم، وتعذيبَ من لا يستحق العذاب، فلم يطلب منه شَطَطًا، ولم يُرْهقه من أمره عسرًا، بل طلب منه غاية النصف.

ثم أخبره بعد الطلب بثلاث إخبارات؛ أحدها: قوله: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، فقد برئنا من عهدة نسبتك لنا إلى التقوُّل والافتراء بما جئناك به من البرهان١ والدلالة الواضحة، فقد قامت الحجة. ثم بعد ذلك للمرْسَل إليه حالتان، إما أن يسمع ويطيع، فيكون من أهل الهدى، والسلامُ على من اتبع الهدى، وإما أن يكذِّب ويتولَّى، فالعذابُ على من كذَّب وتولى، فجمعت الآيةُ طلبَ الإنصاف، وإقامة الحجة، وبيان ما يستحقه السامع المطيع، وما يستحقه المكذِّب المتولِّي بألطف خطاب، وألْيَن٢ قول، وأبلغ ترغيب وترهيب.

فصل

وأما السؤال السابع عشر وهو: أن قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، هل السلام من الله؟ فيكون

  1. (١) (ق): "الإيمان".
  2. (٢) (ظ ود): "وأَلْيّق".
656

المأمور به الحمد، والوقفُ التامُّ عليه، أو هو داخل في القول والأمر بهما جميعًا؟.

فالجواب عنه: أن الكلامَ يحتمل الأمرين، ويشهد لكل منهما (ق/ ١٥٨ أ) ضَرْب من الترجيح، فيرجَّح كونه داخلًا في جملة القول بأمور:

منها: اتصاله به وعَطْفه عليه من غير فاصل، وهذا يقتضي أن يكون فعل القول واقعًا على كلِّ واحد منهما، هذا هو الأصل ما لم يمنع منه مانع، ولهذا إذا قلت: "قل١ الحمد لله وسبحان الله"، فإن التسبيح هنا داخل في المقول٢.

ومنها: أنه إذا كان معطوفًا على المقول كان عطف خبيرٍ٣ على خبر وهو الأصل، ولو كان (ظ / ١٢٠ أ) منقطعًا عنه كان عطفًا على جملة الطلب، وليس بالحسن عطف الخبر على الطلب.

ومنها: أن قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ﴾ [النمل: ٥٩] ظاهر في أن المسلِّم هو القائل: "الحمد لله"، ولهذا أتى بالضمير بلفظ الغَيبة، ولم يقل: "سلام على عبادي".

ويشهد لكون السلام من الله تعالى أمور: أحدها: مطابقته لنظائره في القرآن من سلامه تعالى بنفسه على عباده الذين اصطفى، كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ ٧٩﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ١٠٩﴾ [الصافات: ١٠٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ١٢٠﴾ [الصافات: ١٢٠]،

  1. (١) ليست في (ظ).
  2. (٢) (ق): "القول" وكذا ما بعدها.
  3. (٣) ليست في (ق).
657

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي