﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾[الزمر: ٧١]، ففاجأهم وبَغتَهم عذابُها وما أعدَّ اللهُ فيها، فهم بمنزلة من وقفَ على باب لا يدري بما يفتح له من أنواع الشر، إلا أنه متوقع منه شرا عظيمًا، ففُتِح في وجهه وفاجأه ما كان يتوقعه، وهذا كما تجد في الدنيا من يُسَاق إلى السجن، فإنه يُساق إليه وبابه مغلوق، حتى إذا جاءه فتحَ الباب في وجهه، ففاجأته روعته وألمه، بخلاف ما لو فُتِحَ له قبل مجيئه.
وهذا بخلاف أهل الجنة فإنهم لما كانوا مساقين إلى دار الكرامة، وكان من تمام إكرام المدعوِّ الزائر أن يُفتح له بابُ الدار، فيجيء فيلقاه مفتوحًا، فلا يَلْحقه ألم الانتظار، فقال في أهل الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾[الزمر: ٧٣]، وحُذف الجوابُ تفخيمًا لأمره، وتعظيمًا لشأنه على عادتهم في حذف الجوابات لهذا المقصد. وهذه الطريقة تريحك من دعوى زيادة "الواو"، ومن دعوى كونها واو الثمانية؛ لأن أبواب الجنة ثمانية، فإن هذا لو صحَّ فإنما يكون إذا كانت (ظ / ١٢١ ب) الثمانية سوقة في اللفظ واحدًا بعد واحد، فينتهون إلى السبعة، ثم يستأنفون العددَ من الثمانية بـ"الواو"، وهاهنا لا ذِكْر للفظ الثمانية في الآية ولا عدها، فتأمله. على أن في كون "الواو" تجيء للثمانية كلام آخر (ق/١٦٠ أ) قد ذكرناه في "الفتح المكِّي" وبينا المواضعَ التي ادعِى فيها أن "الواو" للثمانية، وأين يمكن دعوى ذلك وأين يستحيل١؟.
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بأن سيِّد الخلائق ﷺ يأتي بابَ
(١) سيأتي في هذا الكتاب: (٣/ ٩١٥) تفصيل القول في واو الثمانية.
الجنة فيلقاه مغلقًا حتى يستفتحه١.
قلنا: هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق، أن الجنة تكون مغلقة فلا تفتح لأهلها إلا على يديه، فلو جاءها وصادفها مفتوحة، فدخلها هو وأهلها، لم يعلم الداخلون أن فتحَها كان على يديه، وأنه هو الذي استفتحها لهم، ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة أو حِصْن وعجزوا ولم يمكنهم فتحه، حتى جاء رجلٌ ففتحه لهم أحوجَ ما كانوا إلى فتحِه، كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم، وفضله وشرف ما لو٢ جاء هو وهم فوجدوه مفتوحًا.
وقد خرجنا عن المقصود وما أَبْعَدْنا، ولا تستطِلْ هذه النكت٣، فإنك لا تكاد تجدها في غير هذا التعليق، والله المانُّ بفضله وكرمه.
فصل
وأما السؤال التاسع عشر وهو: دخول "الواو" في قوله ﷺ: "إذا سَلَّم عليكُمْ أهْلُ الكتاب فقُوْلُوا: وعليكُمْ"٤، فقد استَشْكَلها كثيرٌ من الناس كما ذُكِر في السؤال، وقالوا: الصواب حذفُها، وأن يقال: "عليكم". قال الخطَّابي٥: "يرويه عامة المحدثين بـ"الواو" وابنُ عيينة يرويه بحذفها، وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف "الواو" صار
(١) أخرجه مسلم رقم (١٩٧)، من حديث أنس ﵁.
(٢) (ق): "ما لم"، ولو قيل: "ما [لم يكن] لو .. " لكان أجود.
(٣) (ق): "هذا الفصل في النكت"، و"كرمه" التي في آخر الفقرة ليست في (ق).
(٤) تقدم تخريجه ٢/ ٥٩٧.
(٥) في "معالم السنن": (٨/ ٧٥ - بهامش مختصر المنذري). وانظر تعليق ابن القيم هناك، فهو بنحو ما قال هنا.