بدائع الفوائد

الجنة فيلقاه مغلقًا حتى يستفتحه١.

قلنا: هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق، أن الجنة تكون مغلقة فلا تفتح لأهلها إلا على يديه، فلو جاءها وصادفها مفتوحة، فدخلها هو وأهلها، لم يعلم الداخلون أن فتحَها كان على يديه، وأنه هو الذي استفتحها لهم، ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة أو حِصْن وعجزوا ولم يمكنهم فتحه، حتى جاء رجلٌ ففتحه لهم أحوجَ ما كانوا إلى فتحِه، كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم، وفضله وشرف ما لو٢ جاء هو وهم فوجدوه مفتوحًا.

وقد خرجنا عن المقصود وما أَبْعَدْنا، ولا تستطِلْ هذه النكت٣، فإنك لا تكاد تجدها في غير هذا التعليق، والله المانُّ بفضله وكرمه.

فصل

وأما السؤال التاسع عشر وهو: دخول "الواو" في قوله ﷺ: "إذا سَلَّم عليكُمْ أهْلُ الكتاب فقُوْلُوا: وعليكُمْ"٤، فقد استَشْكَلها كثيرٌ من الناس كما ذُكِر في السؤال، وقالوا: الصواب حذفُها، وأن يقال: "عليكم". قال الخطَّابي٥: "يرويه عامة المحدثين بـ"الواو" وابنُ عيينة يرويه بحذفها، وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف "الواو" صار

  1. (١) أخرجه مسلم رقم (١٩٧)، من حديث أنس ﵁.
  2. (٢) (ق): "ما لم"، ولو قيل: "ما [لم يكن] لو .. " لكان أجود.
  3. (٣) (ق): "هذا الفصل في النكت"، و"كرمه" التي في آخر الفقرة ليست في (ق).
  4. (٤) تقدم تخريجه ٢/ ٥٩٧.
  5. (٥) في "معالم السنن": (٨/ ٧٥ - بهامش مختصر المنذري). وانظر تعليق ابن القيم هناك، فهو بنحو ما قال هنا.
665

قولهم الذي قالوا بعينه مردودًا عليهم، وبإدخال "الواو" يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما: قالوه، لأن الواو حرف العطف والاجتماع بين الشيئين".

قلتُ: معنى ما أشار إليه الخطابي: أن "الواو" في مثل هذا تقتضي تقرير الجملة وزيادة الثانية عليها، كما إذا قلت: "زيدٌ كاتب"، فقال المخاطب "وشاعر"، فإنه يقتضي إثبات الكتابة له وزيادة وصف الشعر، وكذلك إذا قلت لرجل: "فلان محب لك"، فقلت: و"مُحْسن إليَّ".

ومن هنا استنبط السُّهيلي في "الروض"١ أن عِدَّة أصحاب الكهف سبعة، قال: لأن الله تعالى عطفَ عليهم الكلب بحرف "الواو" فقال: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ولم يذكر "الواو" فيما قبل ذلك من كلامهم، و"الواو" تقتضي تقرير الجملة الأولى، وما استنبطه حسَن؛ غير أن إنما يفيد إذا كان المعطوف بالواو ليس داخلًا في جملة قولهم، بل يكون (ق/١٦٠ ب) قد حكى سبحانه أنهم قالوا: "سبعة"، ثم أخبر تعالى أن ثامنهم كلبهم، فحينئذٍ يكون ذلك تقريرًا لما قالوه وإخبارًا بكون الكلب ثامنًا، وأما إذا كان الإخبار عن الكلب من جملةِ قولهم، وأنهم قالوا هذا وهذا، لم يظهر ما قاله ولا تقتضي الواو في ذلك تقريرًا ولا تصديقًا، فتأمَّلْه.

وأما قوله: "المحدثون يروونه بالواو"، فهذا الحديث رواه عبد الله٢ ابن عمر أن النبي ﷺ: قال: "إنَّ اليهودَ إذا سَلَّمَ عَلَيكُم أحدُهم فإنما

  1. (١) "الروض الأنف": (٢/ ٥٦).
  2. (٢) "عبد الله" ليست في (ق).
666

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي