يقول: السَّامُ عليكم، فقولوا: وعليكم،١، قال أبو داود٢: "وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار. ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار، وقال فيه: وعليكم". انتهى كلامه.
وأخرجه الترمذي (ظ/ ١٢٢ أ)، والنسائي كذلك، ورواه مسلم٣ وفي بعض طرقه: "فقل: عليك"، ولم يذكر "الواو".
وحديث مالك الذي ذكره أبو داود أخرجه البخاري في "صحيحه"٤، وحديث سفيان الثوري متفق عليه٥، كلها بالواو.
وأما ما أشار إليه الخطابي من حديث ابن عيينة؛ فرواه النسائي في "سننه"٦ بإسقاط الواو٧. وإذا عُرف هذا؛ فإدخال الواو في الحديث لا تقتضي محذورًا البتة، وذلك لأن التحية التي يحيُّون بها المسلمين غايتها الإخبار بوقوع الموت عليهم وطلبه؛ لأن السَّام معناه: الحوت، فإذا حيوا به المُسْلم فردُّه عليهم كان من باب القصاص والعدل، وكان مضمون ردَّه: أنا لسنا نموت دونكم، بل وأنعم -أيضًا- تموتون، فما تمنيتموه لنا حالٌ بكم واقعٌ عليكم.
(١) أخرجه أبو داود رقم (٥٢٠٦)، والترمذي رقم (١٦٠٣)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (٣٧٨، ٣٨٠) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عُمر به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
(٢) "السنن": (٥/ ٣٨٥).
(٣) رقم (٢١٦٤).
(٤) رقم (٦٢٥٧).
(٥) أخرجه البخاري رقم (٦٩٢٨)، ومسلم رقم (٢١٦٤).
(٦) في "عمل اليوم والليلة" رقم (٣٨١) من حديث عائشة ﵂.
(٧) هذا بنحوه من "مختصر المنذري": (٨/ ٧٥ - ٧٦).
وأحسن من هذا أن يقال: ليس في دخول الواو تقرير لمضحون تحيتهم، بل فيه ردها وتقريرها لهم، أي: ونحن أيضًا ندعو عليكم بما دعوتم به علينا، فإن دعاءَهم قد وقع، فإذا رَدَّ عليهم المجيبُ بقوله: "وعليكم"، كان في إدخال الواو سِرّ لطيف، وهو الدلالة على أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به، هو بعينه مردودٌ عليكم لا تحية غيره، فإدخال "الواو" مفيدٌ لهذه الفائدة الجليلة.
وتأمل هذا في مقابلة الدعاء بالخير إذا قال: "غفر الله لك"، فقال له: "ولك"، المعنى: أن هذه الدعوة بعينها مني لك، ولو قلت: "غفر الله لك": فقال: "لك"؟ لم يكن فيه إشعار بأن الدعاء الثاني هو الأول بعينه، فتأمله فإنه بديع جدًّا. وعلى هذا فيكون الصواب إثبات الواو كما هو ثابت في "الصحيح" و"السنن".
فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة، فمن وجدَ شيئًا فَلْيلْحِقْه بالهامش (ق/ ١٦١ أ)، يَشكُرِ اللهُ وعبادُه له سَعْيَه، فإن المقصودَ الوصولُ إلى الصواب، فإذا ظهر؛ وضِعَ ما عداه تحت الأرجل، وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة بما أمكننا١ في كتاب "تهذيب السنن"٢، وأدلّه أعلم٣.
فصل
وأما السؤال العشرون وهو: ما الحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام؟.