على مساعدٍ على سلوكِ هذه الطريق، واستفتاحِ هذا الباب، والإفضاء إلى ما وراءَه ولو بشَطْر كلمة؛ بل والهفاه على من لا يتصدَّى لقطع الطريق، والصَّدِّ عن هذا المطلب العظيم، ويَدَع المَطِي وَجَادَّتها، ويعطي القَوْسَ باريها، ولكن إذا عَظمَ المطلوب قلَّ المساعد وكَثرُ المعارض والمعاند، وإذا كان الاعتماد على مجرَّد مواهب اللهِ وفضله، ويعينه١ ما يتحمله المتحمل من أجله، فلا [يَثْنِكَ شَنآنُ]٢ من صدَّ عن السبيل وصَدَف، ولا تنقطع مع من عَجَزَ عن مواصلة السُّرى ووقف، فإنما هى مُهْجة واحدة، فانظر فيما تجعل تَلَفها، وعلى من تحتسب خَلَفها.
أنتَ القتيلُ بكلِّ٣ مَنْ أَحْبَبْتَهفانظرْ لنفسِكَ في الهوى مَنْ تَصْطَفِي٤
وأنفق أنفاسك فيما شئتَ، فإن تلك النفقة مردودة بعينها عليك، وصائرة لا سواها إليك، وبين العبد وبين السعادة والفلاح صَبْر ساعةٍ لله، وتحمُّل مَلامة في سبيل الله.
ومَا هِيَ إلا ساعَةٌ ثم تنقضيويَذهبُ هذا كُلُّهْ ويزولُ
وقد أطلنا ولكن ما أمللنا، فإن قلبًا فيه أدنى حياة يهتزُّ إذا ذُكِر الله ورسوله، ويود أن لو كان المتكلِّم كلُّه أَلْسِنةً تالية، وأن السامعَ كله آذان واعية، ومن لم يجد قلبه ثَمَّ، فليشتغل بما يُناسِبُه، فكُلٌّ ميسَّر لما خُلِق له، وكل يعمل على شاكِلته.
(١) كذا في الأصول، و"المنيرية": "يغنيه"، ومعناها غير ظاهر، ولعلها: "وفضله [يهون] ما ... ".
(٢) غير مُحررة في الأصول، والمثبت من "المنيرية".
(٣) (ق): "بحب"، والرواية في "الديوان": "بأي".
(٤) البيت لابن الفارض، "ديوانه": (ص/ ٩٠).
وكلُّ امرئٍ يَهْفو إلى مَنْ يحِبُّهوكلُّ امرئٍ يَصْبُو إِلى ما ينَاسِبه١
فصل
وقد عرفتَ بهذا جواب السؤال الحادي والعشرين، وأن كمال التحيةِ عند ذكر البركات، إذ قد استوعَبَت هذه الألفاظ الثلاث جميع المطالب من دفع الشرِّ، وحصول الخير، وثباته وكثرته ودوامه، فلا معنى للزِّيادة عليها، ولهذا جاءَ في الأثر المعروف: "انتهى السلامُ إلى: وبَرَكاته"٢.
فصل
وأما السؤال الثاني والعشرون، وهو: ما الحكمة في إضافة الرحمة والبركة إلى الله تعالى، وتجريد السلام عن الإضافة؟.
فجوابه: أن السلامَ (ق ١٦٢/ ب) لما كان اسمًا من أسماء الله تعالى، استغنى بذكره مطلقًا عن الإضافة إلى المسمى، وأما الرحمة والبركة فلو لم يُضافا إلى الله لم يُعلم رحمة مَنْ ولا بركة مَنْ تطلب. فلو قيل: "عليكم ورحمته وبركته" لم يكن في هذا اللفظ إشعار بالراحم المبارك الذي تطْلَب الرحمة والبركة منه، فقيل: "ورحمة الله وبركاته"، وجواب ثانٍ وهو: أن السلام يُرَاد به قول المسلم: "سلام عليكم"،
(١) ذكره ابن القيم أيضًا في "مدارج السالكين": (٢/ ٣٨٦) بلا نسبة.
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ": (٢/ ٩٥٩) عن ابن عباسٍ ﵄ وجاء نحوه عن ابن عمر وعمر عند البيهقي في "الشعب" -كما في "فتح الباري": (١١/ ٨) - وقال الحافظ عن الثاني: "رجاله ثقات". ورواه الطبراني في "الأوسط": (١/ ٢٣٩) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا إلى النبي ﷺ، قال الهيثمي في "المجمع": (٨/ ٣٧): "رجاله رجال الصحيح".