وهذا في الحقيقة مضاف إليه ويُرَاد به حقيقة السلامة المطلوبة من "السلام" ﷾، وهذا يُضاف إلى الله، فيُضاف هذا المصدر إلى الطالب الذَّاكر تارة وإلى المطلوب منه تارة، فأُطْلِق ولم يضف١. وأما الرحمة والبركة فلا تُضاف إلا إلى الله وحدَه، ولهذا لا يقال: "رحمتي وبركتي عليكم"، ويقال: "سلامٌ مني عليكم"٢، "وسلام من فلان على فلان".
وسرُّ ذلك: أن لفظ السلام اسم للجملة القولية، بخلاف الرحمة والبركة، فإنهما (ظ/١٢٣ ب) اسمان لمعنييهما دون لفظيهما فتأمَّله فإنه بديع.
وجواب ثالث: وهو أن الرحمة والبركة أتم من مجرَّد السلامة، فإن السلامة٣ تبعيد عن الشر، وأما الرحمة والبركة فتحصيل للخير وإدامة له وتثبيت وتنمية، وهذا أكمل، فإنه هو المقصود لذاته، والأول وسيلة إليه، ولهذا كان ما يحصل لأهل الجنةِ من النعيم أَكمل٤ من مجرَّد سلامتهم من النار، فأُضيفَ إلى الرب ﵎ أكمل المعنيين وأتمهما لفظًا، وأُطْلِق الآخر وفهمت٥ إضافته إليه معنًى من العطف وقرينة الحال، فجاءَ اللفظُ على أَتمِّ نظامٍ وأحسنِ سياق.
فصل
وأما السؤال الثالث والعشرون وهو: ما الحكمة في إفراد السلام
(١) (ق)."يلفظ".
(٢) (ق): "على فلان".
(٣) "فإن السلامة" سقطت من (ق).
(٤) من قوله: "فانه هو .... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(٥) (ق): "ولو تمت".
والرحمة وجمع البركة؟.
فجوابه: أن السلامَ إما مصدر مَحْض فهو شيءٌ واحدٌ فلا معنى لجمعه، وإما اسم من أسماء الله فيستحيل أيضًا جمعه، فعلى التقديرين لا سبيل إلى جمعه.
وأما الرحمة؛ فمصدر أيضًا بمعنى التعطُف والحنان فلا تُجْمع أيضًا، والتاء فيها بمنزلتها في "الخلة والمحبة والرأفة والرقة"، ليست للتحديد بمنزلتها في "ضربة وتمرة"، فكما لا يقال: "رقات ولا خلات ولا رأفات"، لا يقال: "رحمات"، وهنا دخول الجمع يُشعر بالتحديد والتقييد بعددٍ، وإفراده يُشْعر بالمسمى مطلقًا من غير تحديد، فالإفراد هنا أكمل وأكثر١ معنى من الجمع، وهذا بديع جدًا أن يكون مدلول الفرد أكثر من مدلول الجمع، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ﴾[الأنعام: ١٤٩] أعمَّ وأتمَّ معنى من أن يقال: "فلله الحُجَج البوالغ"، وكان قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾[إبراهيم: ٣٤] أتمّ معنًى من أن (ق/١٦٣ أ)، يقال: وإن تعدُّوا نِعَم الله لا تحصوها. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾[البقرة: ٢٠١] أتمّ معنًى من أن يقال: "حسنات". وكذا قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾[آل عمران: ١٧١]، ونظائره كثيرة جدًّا، وسنذكر سِرَّ هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وأما البركة؛ فإنها لما كان٢ مسماها كثرة الخير واستمراره شيئًا بعد شيء، كلما انقضى منه فرد خَلَفه فردٌ آخر، فهو خير مستمرٌّ
(١) (ق): "أكبر وأكمل".
(٢) (ق ود): "كانت" ثم سقط منهما من قوله: "مسمّاها ... " إلى " .... الإفراد".