بدائع الفوائد

الذي هو١ المسجد، والإضافة في مثل ذلك غير ممتنعة ولا٢ مستكرهة. وأيضًا فإن الجنة وإن سُمِّيت رحمة، لم يمتنع أن يسمَّى ما فيها من أنواع النعيم رحمة. ولا ريب أن مستقر ذلك النعيم هو الجنة، فالداعي يطلب أن يجمعَه اللهُ ومن يحب فى المكان الذي تستقرُّ فيه تلك الرحمة المخلوقة في الجنة، وهذا ظاهر جدًّا فلا يمتنع الدعاءُ بوجه، والله أعلم٣.

وهذا بخلاف قول الداعي: "يا حَيُّ يا قَيُّوْمُ برَحْمَتِكَ أَسْتَغيثُ"٤، فإن الرحمةَ هنا صفته ﵎، وهي متعلَّق الاستغاثة، فإنه لا يُسْتغاث بمخلوق، ولهذا كان هذا الدعاءُ من أدعيةِ الكرب لما تضمَّنه من التوحيد والاستغاثة برحمة أرحم الراحمين، متوسِّلًا إليه باسمين عليهما مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما مرجع معانيها جميعها، وهو اسم: الحيّ القيُّوم.

فإن الحياةَ مستلزمةٌ لجميع صفات الكمال، ولا يتخلَّف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكملَ حياة وأتمها استلزم إثباتُها إثباتَ كلِّ كمال يضاد نفي كمال الحياة، وبهذا

  1. (١) من قوله: "رحمتك لا .. " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
  2. (٢) (ق): "أو".
  3. (٣) وهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر "الاختيارات": (ص/ ٤٦٠)، وانظر ما سيأتي عند المصنف: (٤/ ١٤١٨)، و"معجم المناهي اللفظية": (ص/٦٠٤).
  4. (٤) لفظ حديث أخرجه الترمذي رقم (٣٥٢٤)، والحاكم: (١/ ٧٣٠)، والضياء في "المختارة": (٦/ ٣٠٠). وغيرهم من حديث أنسٍ ﵁ قال الترمذي: "هذا حديث غريب".
    وله شاهد من حديث ابن مسعود ﵁ أخرجه الحاكم: (١/ ٥٠٩)، وصحَّحهما الحاكم.
678

الطريق العقلي أثبت متكلمو أهل الإثبات له تعالى صفةَ السمع والبصر والعلم والإرادة والقدرة١ والكلام وسائر صفات الكمال.

وأما القيوم؛ فهو متضمن كمالَ غِناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه لا يحتاج إلى من يقيمه بوجه من الوجوه، وهذا من كمال غناه بنفسه عما سواه، وهو المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، وهذا من كمال قدرته وعزته، فانتظمَ هذان الاسمان صفاتِ الكمال والغنى التام والقدرة التامة. فكأن المستغيث بهما مستغيث بكل اسم من أسماء الرب تعالى وبكل صفة من صفاته، فما أولى الاستغاثة بهذين الاسمين أن تكون في مظنة تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإنالة الطلبات.

والمقصود: أن الرحمةَ المستغاث بها هي صفة الرب تعالى لا شيء من مخلوقاته، كنا أن المستعيذ بعزته في قوله: "أعُوذُ بعِزتك"٢ مستعيذ بعزته التي هي صفته، لا بعزته التي خلقها يُعِزَ بها عبادَه المؤمنين. وهذا كله يقرر قولَ أهل السنة أن قولَ النبي ﷺ: "أعود بكَلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ"٣ يدل على أن كلماته ﵎ غير مَخلوقة، فإنه لا يسْتعاذ بمخلوق. وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فهذه رحمة الصفة التىِ وسعتْ كلَّ شيء، كنا قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾٤ [الأعراف: ١٥٦]، وسَعَتُها عمومُ تعلقها بكلِّ شئ، كما أن سَعَة علمه

  1. (١) (ظ ود): "القوة".
  2. (٢) سيأتي تخريجه ٢/ ٧٠٩.
  3. (٣) سيأتي تخريجه ٢/ ٧٠٩.
  4. (٤) الآية ليست في (ق).
679

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي