بدائع الفوائد

الطريق العقلي أثبت متكلمو أهل الإثبات له تعالى صفةَ السمع والبصر والعلم والإرادة والقدرة١ والكلام وسائر صفات الكمال.

وأما القيوم؛ فهو متضمن كمالَ غِناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه لا يحتاج إلى من يقيمه بوجه من الوجوه، وهذا من كمال غناه بنفسه عما سواه، وهو المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، وهذا من كمال قدرته وعزته، فانتظمَ هذان الاسمان صفاتِ الكمال والغنى التام والقدرة التامة. فكأن المستغيث بهما مستغيث بكل اسم من أسماء الرب تعالى وبكل صفة من صفاته، فما أولى الاستغاثة بهذين الاسمين أن تكون في مظنة تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإنالة الطلبات.

والمقصود: أن الرحمةَ المستغاث بها هي صفة الرب تعالى لا شيء من مخلوقاته، كنا أن المستعيذ بعزته في قوله: "أعُوذُ بعِزتك"٢ مستعيذ بعزته التي هي صفته، لا بعزته التي خلقها يُعِزَ بها عبادَه المؤمنين. وهذا كله يقرر قولَ أهل السنة أن قولَ النبي ﷺ: "أعود بكَلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ"٣ يدل على أن كلماته ﵎ غير مَخلوقة، فإنه لا يسْتعاذ بمخلوق. وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فهذه رحمة الصفة التىِ وسعتْ كلَّ شيء، كنا قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾٤ [الأعراف: ١٥٦]، وسَعَتُها عمومُ تعلقها بكلِّ شئ، كما أن سَعَة علمه

  1. (١) (ظ ود): "القوة".
  2. (٢) سيأتي تخريجه ٢/ ٧٠٩.
  3. (٣) سيأتي تخريجه ٢/ ٧٠٩.
  4. (٤) الآية ليست في (ق).
679

تعالى عموم تعلقه بكلِّ معلوم.

فصل

وأما البركة فكذلك: نوعان أيضًا:

أحدهما: بركةٌ هي فعله ﵎، والفعل منها "بارك"، ويتعدَّى بنفسه تارة، وبأداةِ "على" تارة، وأداةِ "في" تارة، والمفعول منها "مبارك" وهو ما جُعِل كذلك (ظ/١٢٤ ب)، فكان مباركًا يجعله تعالى.

والنوع الثاني: بركة تضاف١ إليه إضافة الرحمة والعِزَّة، والفعل منها "تبارك"، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له ﷿، فهو سبحانه المتبارك، وعبده ورسوله المبارك، كما قال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] فمن٢ بارك الله فيه وعليه فهو المبارك.

وأما صيغة "تبارك" فمختصَّة به تعالى كما أَطلَقها على نفسه بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ ٦٤﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١﴾ [الملك: ١]، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٥﴾ [الزخرف: ٨٥]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ﴾ [الفرقان: ٦١]

  1. (١) (ظ ود): "من اتصاف"!.
  2. (٢) (ف): "فما".
680

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي