أحدهما: بركةٌ هي فعله ﵎، والفعل منها "بارك"، ويتعدَّى بنفسه تارة، وبأداةِ "على" تارة، وأداةِ "في" تارة، والمفعول منها "مبارك" وهو ما جُعِل كذلك (ظ/١٢٤ ب)، فكان مباركًا يجعله تعالى.
والنوع الثاني: بركة تضاف١ إليه إضافة الرحمة والعِزَّة، والفعل منها "تبارك"، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له ﷿، فهو سبحانه المتبارك، وعبده ورسوله المبارك، كما قال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾[مريم: ٣١] فمن٢ بارك الله فيه وعليه فهو المبارك.
أفلا تراها كيف اطَّردت في القرآن جارية عليه مختصَّةَ به، لا تطلق على غيره، وجاءت على بناءِ السَّعَة والمبالغة، كتعالى وتعاظم ونحوه، فجاء بخاء "تبارك" على بناء "تعالى" الذي هو دال على كمال العلوِّ ونهايته، فكذلك "تبارك" دال على كمال بركته وعظمها وسَعَتها. وهذا معنى قول من قال من السلف: "تبارك: تعاظم". وقال آخر: معناه أن تجيء البركات من قِبلِه، فالبركة كلُّها منه. وقال غيره: كثرَ خيره وإحسانُه إلى خلقه. وقيل: اتسعت رأفته ورحمته بهم. وقيل: تزايد عن كلّ شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله. ومن هنا قيل: معناه: تعالى وتعاظم، وقيل: تبارك تقدس، والقدس١ الطهارة. وقيل: تبارك أي: باسمه يُبارَك في كلِّ شيء. وقيل: تبارك ارتفع، والمبارك المرتفع، ذكره البغوي٢. وقيل: تبارك أي البركة تكتَسَب وتنال بذكره. وقال ابن عباس: جاءَ بكلِّ بركة. وقيل: معناه ثبتَ ودامَ بما لم يزل ولا يزال، ذكره البغوي -أيضًا-.
وحقيقةُ اللفظة: أن البركة (ق / ١٦٤ ب] كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه ﵎، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان، لكن الأليق باللفظة معنى الوصف لا الفعل، فإنه فعل لازم مثل تعالى وتقدَّس وتعاظم.
ومثل هذه الألفاظ ليس٣ معناها أنه جعل غيره عالًا ولا قدوسًا ولا عظيمًا، وهذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه، وإنما معناها في نفس من نُسِبت إليه فهو المتعالي المتقدس في نفسه، فكذلك "تبارك" لا