فوقع في الصلاة والسلام عليه تقديم السلام وتأخير الصلاة، وذلك لسر من أسرار الصلاة، نشيرُ إليه بحسب الحال إشارة، وهو: أن الصلاة قد اشتملت علي عبودية جميع الجوارح والأعضاء مع عبودية القلب، فلكلِّ عضوٍ منها نصيبُه من العبودية، فجميع أعضاء المصلِّي وجوارحه متحرِّكة في الصلاة عبودية لله وذلًّا له وخضوعًا، فلما أكمل المصلِّي هذه العبودية، وانتهت حركاته، خُتِمَت بالجلوس بين يدي الربِّ -تعالى- جلوس تذلُّلٍ وانكسار وخضوع لعظمته ﷿، كما يجلس العبدُ الذليلُ بين يدي سيِّدِه، وكان جلوس الصلاة أخشعَ ما يكون من الجلوس وأعظمه خضوعًا وتذللًا، فأذن للعيد في هذه الحال بالثناء على الله ﵎ بأبلغ أنواع الثناء، وهو "التحيات لله والصلوات والطيبات"، وعادتهم إذا دخلوا على ملوكهم أن يحيوهم بما يليق بهم، وتلك التحية تعظيم لهم وثناء عليهم، والله تعالى أحق بالتعظيم والثناء من كل أحد من خلقه، فجمع العبدُ في قوله: "التحيات والصلوات والطيبات" أنواعَ الثناء١ على الله، وأخبرَ أن ذلك له وصفا ومُلْكًا، وكذلك "الصلوات" كلها لله، فهو الذي يُصَلَّى له وحده لا لغيره، وكذلك "الطيبات" كلها من الكلمات والأفعال كلها له، فكلماته طيبات وأفعاله كذلك، وهو طيب، يصعد إليه إلا طيب، والكَلِم الطيب إليه يصعد، فكانت الطيبات٢ كلها له ومنه وإليه، له ملكًا ووصفًا، (ق/ ١٦٦ أ) ومنه مجيئها وابتداؤها، وإليه مصعدها ومنتهاها، والصلاة مشتملة٣
= وذكر الحافظ في "الدراية": (١/ ٢٩) عدة أحاديث فيها عدم الترتيب.
(١) من قوله: "من كل أحد ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٢) من قوله: "وأفعاله كذلك ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٣) (ق): "تشتمل".
على عمل صالح وكَلِم طيب، والكَلِم الطَّيب إليه يصعد، وَالعَمَل الصَّالح يَرْفَعُهُ، فناسَبَ ذكر هذا عند انتهاء الصلاة وقتَ رفعها إلى الله تعالي، فلما أتى بهذا الثناء على الرب -تعالى- التفت إلى شأن الرسول الذي حَصَل هذا الخير على يديه، فسلَّم عليه أتمَّ سلام معَرَّف باللام التي للاستغراق، مقرونًا بالرحمة والبركة، هذا هو أصح شيءٍ في السلام عليه، فلا تبخل عليه بالألف واللام في هذا المقام.
ثم انتقلَ إلي السلام على نفسه وعلى سائر عبادِ الله الصالحين، وبدأ بنفسه؛ لأنها أهم والإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، ثم ختم هذا المقام بعقد الإسلام، وهو التشهد بشهادة الحق التي هى أول الأمر وآخره، وعندها كمل الثناء والتشهد.
ثم انتقل إلى نوع آخر وهو الدعاء والطلب، فالتشهد يجمع نوعي الدعاء؛ دعاء الثناء والخير، ودعاء الطلب والمسألة، والأول أشرف النوعين لأنه حق الرب ووصفه، والثاني حظُّ العبد ومصلحته، وفي الأثر: "مَنْ شَغلَه ذِكْري عن مَسْألتي أعْطَيته أفضلَ ما أعْطِيْ السَّائلِيْن"١، لكن لما كانت الصلاة أتم العبادات عبودية وأكملها شرع فيها النوعان، وقدم الأول منهما لفضله، ثم انتقل المصلي إلى النوع الثاني، وهو دعاء الطلب والمسألة، فبدأ بأهمه وأجله وأنفعه
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٩٢٦) وقال: "هذا حديث حسن غريب"، والدارمى: (٣/ ٥٣٣) من حديث أبى سعيد الخدري ﵁، وفيه عطية العوفي ضعيف. وجاء من حديث عمر ﵁ أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد": (ص/ ١٦١)، وحسَّنه الحافظ ابن حجر، ورد على ابن الجوزي إيراده في "الموضوعات"، انظر "تنزيه الشريعة": (٢/ ٣٢٣). وروي من حديث جابر وحذيفة ﵃.