بدائع الفوائد

على عمل صالح وكَلِم طيب، والكَلِم الطَّيب إليه يصعد، وَالعَمَل الصَّالح يَرْفَعُهُ، فناسَبَ ذكر هذا عند انتهاء الصلاة وقتَ رفعها إلى الله تعالي، فلما أتى بهذا الثناء على الرب -تعالى- التفت إلى شأن الرسول الذي حَصَل هذا الخير على يديه، فسلَّم عليه أتمَّ سلام معَرَّف باللام التي للاستغراق، مقرونًا بالرحمة والبركة، هذا هو أصح شيءٍ في السلام عليه، فلا تبخل عليه بالألف واللام في هذا المقام.

ثم انتقلَ إلي السلام على نفسه وعلى سائر عبادِ الله الصالحين، وبدأ بنفسه؛ لأنها أهم والإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، ثم ختم هذا المقام بعقد الإسلام، وهو التشهد بشهادة الحق التي هى أول الأمر وآخره، وعندها كمل الثناء والتشهد.

ثم انتقل إلى نوع آخر وهو الدعاء والطلب، فالتشهد يجمع نوعي الدعاء؛ دعاء الثناء والخير، ودعاء الطلب والمسألة، والأول أشرف النوعين لأنه حق الرب ووصفه، والثاني حظُّ العبد ومصلحته، وفي الأثر: "مَنْ شَغلَه ذِكْري عن مَسْألتي أعْطَيته أفضلَ ما أعْطِيْ السَّائلِيْن"١، لكن لما كانت الصلاة أتم العبادات عبودية وأكملها شرع فيها النوعان، وقدم الأول منهما لفضله، ثم انتقل المصلي إلى النوع الثاني، وهو دعاء الطلب والمسألة، فبدأ بأهمه وأجله وأنفعه

  1. (١) أخرجه الترمذي رقم (٢٩٢٦) وقال: "هذا حديث حسن غريب"، والدارمى: (٣/ ٥٣٣) من حديث أبى سعيد الخدري ﵁، وفيه عطية العوفي ضعيف.
    وجاء من حديث عمر ﵁ أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد": (ص/ ١٦١)، وحسَّنه الحافظ ابن حجر، ورد على ابن الجوزي إيراده في "الموضوعات"، انظر "تنزيه الشريعة": (٢/ ٣٢٣).
    وروي من حديث جابر وحذيفة ﵃.
687

له، وهو طلب الصلاة من الله على رسوله ﷺ، وهو من أجلِّ أدعية العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته، كما ذكرناه في كتاب "تعظيم شأن الصلاة على النبي ﷺ"١، وفيه أيضًا أن الداعي جعله مقدمة (ظ/١٢٦ أ) بين يدي حاجته وطلبه لنفسه، وقد أشار النبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى في قوله: "ثمَّ ليتخيَّر مِن الدُّعاءِ أعْجَبَه إِلَيْه"٢، وكذلك في حديث فَضَالة بن عُبيد: "إِذا دَعا أحدُكم فَلْيبدأ بحَمْدِ اللهِ والثناءِ عليه، ثمَّ ليصلِّ على النبيِّ ﷺ ثمَّ لِيَدْعُ"٣، فتأمل كيفَ جاء التشهد من أوله إلى آخره مطابقًا لهذا منتظمًا له أحسن انتظام، فحديث فضالةَ هذا هو الذي كشفَ لنا المعنى وأوضحه وبينه، فصلوات الله وسلامه على من أكملَ به لنا دينه، وأتمَّ برسالته علينا نعمته، وجعله رحمةً للعالمين وحسرة على الكافرين.

فصل

وأما السؤال السادس والعشرون وهو: ما الحكمة (ق/ ١٦٦ ب) في كون السلام عليه وقع بصيغة الخطاب والصلاة بصيغة الغيبة؟.

فجوابه يظهر مما تقدم: فإن الصلاةَ عليه طلبٌ وسؤال من الله أن يصلي عليه، فلا يمكن فيها إلا لفظ الغيبة؛ إذ لا يقال: "اللهم صل عليك"، وأما السلام عليه فأتى بلفظ الحاضر المخاطَب تنزيلًا له

  1. (١) "جلاء الأفهام": (ص / ٢٤٦ - ٢٥٤).
  2. (٢) أخرجه مسلم رقم (٤٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
  3. (٣) أخرجه أبو داود رقم (١٤٨١)، والترمذي رقم (٣٤٧٧)، والنسائي: (٣/ ٤٤)، وابن حبان "الإحسان": (٥/ ٢٩٠)، والحاكم: (١/ ٢٣٠) بنحوه.
    قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط مسلم.
688

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي