له، وهو طلب الصلاة من الله على رسوله ﷺ، وهو من أجلِّ أدعية العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته، كما ذكرناه في كتاب "تعظيم شأن الصلاة على النبي ﷺ"١، وفيه أيضًا أن الداعي جعله مقدمة (ظ/١٢٦ أ) بين يدي حاجته وطلبه لنفسه، وقد أشار النبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى في قوله: "ثمَّ ليتخيَّر مِن الدُّعاءِ أعْجَبَه إِلَيْه"٢، وكذلك في حديث فَضَالة بن عُبيد: "إِذا دَعا أحدُكم فَلْيبدأ بحَمْدِ اللهِ والثناءِ عليه، ثمَّ ليصلِّ على النبيِّ ﷺ ثمَّ لِيَدْعُ"٣، فتأمل كيفَ جاء التشهد من أوله إلى آخره مطابقًا لهذا منتظمًا له أحسن انتظام، فحديث فضالةَ هذا هو الذي كشفَ لنا المعنى وأوضحه وبينه، فصلوات الله وسلامه على من أكملَ به لنا دينه، وأتمَّ برسالته علينا نعمته، وجعله رحمةً للعالمين وحسرة على الكافرين.
فصل
وأما السؤال السادس والعشرون وهو: ما الحكمة (ق/ ١٦٦ ب) في كون السلام عليه وقع بصيغة الخطاب والصلاة بصيغة الغيبة؟.
فجوابه يظهر مما تقدم: فإن الصلاةَ عليه طلبٌ وسؤال من الله أن يصلي عليه، فلا يمكن فيها إلا لفظ الغيبة؛ إذ لا يقال: "اللهم صل عليك"، وأما السلام عليه فأتى بلفظ الحاضر المخاطَب تنزيلًا له
(١) "جلاء الأفهام": (ص / ٢٤٦ - ٢٥٤).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٤٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) أخرجه أبو داود رقم (١٤٨١)، والترمذي رقم (٣٤٧٧)، والنسائي: (٣/ ٤٤)، وابن حبان "الإحسان": (٥/ ٢٩٠)، والحاكم: (١/ ٢٣٠) بنحوه. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط مسلم.
منزلة المواجه، لحكمةٍ بديعةِ جدًّا، وهي: أنه ﷺ لما كان أحبَّ إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه، وأولى به منها وأقرب، وكانت حقيقته الذهنية ومثاله العلمي موجودًا في قلبه بحيث لا يغيب عنه إلا١ شخصه، كما قال القائل:
مِثالُكَ في عَيْني وذِكْرُك في فَمِيومَثواكَ في قَلْبي فأينَ تَغِيبُ٢!
ومن كان بهده الحال فهو الحاضر حقًا، وغيره وإن كان حاضرًا للعيان فهو غائب عن الجَنان، فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه، أولى من سلام الغيبة، تنزيلًا له منزلةَ المواجِهِ المُعَايِن لقربه من القلب، وحلوله في جميع أجزائه بحيث لا يبقى في القلب جزء إلا ومحبته وذكره فيه، كما قيل لو شُقَّ عن قلبي يُرَى وسطه ذكرك.
والتوحيد في شطر "لا إله إلا الله محمد رسول الله،، ولا تستنكر استيلاء المحبوب على قلب المحب وغلبته عليه حتى كأنه يراه، ولهذا تجدهم في خطابهم لمحبوبهم إنما يعتمدون خطاب الحضور والمشاهدة مع غاية البعد العياني، لكمال القرب الروحي، فلم يمنعهم بُعد الأشباح عن محادثة الأرواح ومخاطبتها، ومن كَثُفَت طباعُه فهو عن هذا كله بمعزل، وأنه ليبلغ الحبُّ ببعضِ أهله أن يرى محبوبَه في القرب إليه٣ بمنزلة روحِه التي لا شيءَ أدنى إليه منها، كما قيل:
(١) سقطت من (ق).
(٢) ذكره ابن القيم في "روضة المحبين": (ص/ ٢١)، والأبشيهي في "المستطرف": (١/ ٧٤) بلا نسبة؛ لكن أوله: "خيالك ... ".