بدائع الفوائد
يا مُقِيمًا مَدى١ الزَّمان بقلبيوبعيدًا عن ناظِريْ وعِيَانى
أنتَ رُوْحِي إن كنتُ لستُ أراهافهي أَدنى إليَّ مِن كلِّ داني٢

وقال آخر:

يا ثاويًا بينَ الجَوَانِحِ والحَشامِنِّي وإن بَعُدَتْ عَلَيَّ دِيَارُه٣

وإنه ليلطُف شأن المحبة حتى يرَى أنه أدنى إليه وأقرب من روحه.

ولي من أبيات تُلِم بذلك:

وأدنى إلى الصبِّ من نفسِهوإن كان من عينه نائيا
ومن كان مَعْ حِبه هكذافأنى يكون له ساليا

ثم يلطف شأنها ويقهر سلطانها حتى يغيب المُحِب٤ بمحبوبه عن نفسه (ق/١٦٧ أ) فلا يشعر إلا بمحبوبه ولا يشعر بنفسه، ومن هاهنا نشأت الشطحات الصوفية التي مصدرها عن قوة الوارِد وضعف التمييز، فحكَّم صاحبها فيها الحالَ على العلم، وجعل الحُكْم له، وعَزَل علمه من البين٥، وحَكَّمَ المحفوظون فيها حاكمَ العلمِ على سلطانِ الحال (ظ / ١٢٦ ب)، وعلموا أنَّ كلَّ حالٍ لا يكون العلم حاكمًا عليه، فإنه لا ينبغي أن يُغتر به ولا يُسْكن إليه، إلا كما يُساكن المغلوب المقهور

  1. (١) (ق): "طول".
  2. (٢) ذكره ابن القيم -أيضًا- في "روضة المحبين": (ص/ ٢١) بلا نسبة، لكن أوله: "يا مقيمًا في خاطري وجناني".
  3. (٣) ذكره ابن القيم في "روضة المحبين": (ص/ ٢١) بلا نسبة.
  4. (٤) (ق): "المحبوب".
  5. (٥) (ق): "التبين".
690

لما يرد عليه مما يعجز عن دفعه، وهذه حال الكمَّل من القوم الذين جمعوا بين نور العلم وأحوال المعاملة، فلم تُطْفِئ عواصفُ أحوالهم نور علمهم١، ولم يقصر بهم علمهم عن الترقِّي إلى ما وراءه من مقامات الإيمان والإحسان، فهؤلاء حُكام على الطائفتين. ومن عَدَاهُم فمحجوب بعلم لا نفوذَ له فيه أو مغرورٌ بحال لا علمَ له بصحيحِه من فاسِدِه، والله المسؤول من فضله إنه قريب مجيب.

فالكامل من يحَكم العلمَ على الحال فيتصرف في حاله بعلمه، ويجعل العلم بمنزلة النور الذي يميز به الصحيحَ من الفاسد، لا من يقدح في العلم بالحال ويجعل الحال مِعْيارًا عليه وميزانًا، فما وافقَ حالَه من العلم قبلَه، وما خالَفه ردَّه ونفاه، فهذا أضلُّ الضلال في هذا الباب، بل الواجب تحكيم العلمِ والرجوع إلى حُكْمه، وبهذا أوصى العارفون من شيوخ الطريق كلهم، وحرَّضوا على العلم أعظمَ تحريف، لعلمهم بما في الحال المجرد عنه من الغوائل والمهالك، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

فصل

وأما السؤال السابع والعشرون وهو: ما الحكمة في ورود الثناء على الله في التشهد بلفظ الغَيبة مع كون -سبحانه- هو المخاطَب الذي يناجيه العبد، والسلام على النبي ﷺ بلفظ الخطاب مع كونه غائبًا؟.

فجوابه: أن الثناء على الله عامة ما يجيء مضافًا إلى أسمائه الحسنى الظاهرة دون الضمير، إلا أن يتقدم ذكر الاسم٢ الظاهر

  1. (١) (ق): "أعمالهم".
  2. (٢) ليس في (ق).
691

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي