بدائع الفوائد

قال النبي ﷺ: "تحرِيْمها التكبير وتحلِيْلها التسْلِيم"١ تحريمها هنا هو: بابها الذي يُدْخل منه إليها، وتحليلها: بابها الذي يُخْرج به منها، فجعل التكبير باب الدخول، والتسليم٢ باب الخروج، لحكمة بديعة٣ بالغة، يفهمها من عَقَل عن الله وألزمَ نفسَه بتأمُّل محاسن هذا الدين العظيم، وسافر فكره في استخراجِ حكمِه وأسراره وبدائعه، وتعرَّبَ عن عالم العادة والإلْف، فلم يَقْنع بمجرَّد الأشباح حتَّى يعلم ما يقوم به من الأرواح، فإن الله تعالى لم يشرع شيئًا سدى ولا خِلوًا من حكمة بالغة، بل في طوايا ما شرعه وأمر به من الحِكَم والأسرار التي تبهر العقول ما يستدل به الناظر فيه على ما وراءَه، فيسجد القلب خضوعًا وإذعانًا.

فنقول وبالله التوفيق: لما كان المصلي قد تخلَّى عن الشواغل، (ق / ١٦٨ ب) وقطعَ جميع العلائق، وتطهر وأخذ زينته، وتهيَّأ للدخول على الله ﷿ ومناجاته، شُرع له أن يدخل عليه دخولَ العبيد على الملوك، فيدخل بالتعظيم والإجلال، فشُرع له أبلغ لفظ يدل على هذا المعنى، وهو قول: "الله أكبر"، فإن في هذا اللفظ من التعظيم والتخصيص والإطلاق في جانب المحذوف المجرور بـ "من" ما لا يوجد في غيره، ولهذا كان الصوابُ أن غير هذا اللفظ لا يقوم مقامه، ولا يؤدي معناه ولا تنعَقِد الصلاة إلا به، كما هو مذهب أهل

  1. (١) أخرجه أبو داود رقم (٦١)، والترمذي رقم (٣)، وابن ماجه رقم (٢٧٥)، وغيرهم من حديث عليٍّ ﵁.
    والحديث قوَّاه الترمذي وابن السكن والحاكم وغيرهم.
  2. (٢) من قوله: "تحريمها هنا ... " إلى هنا ساقط من (د).
  3. (٣) ليست في (ق).
695

المدينة وأهل الحديث. فجَعَل هذا اللفظَ، واستشعارَ معناه، والمقصودَ به: بابَ الصلاة الذي يَدخل العبد على ربه منه، فإنه إذا استشعرَ بقلبه أن الله أكبر من كل ما يخطر بالبال استحيا منه أن يشغَل قلبه في الصلاة بغيره، فلا يكون موفَيًا (ظ/١٢٧ ب)، لمعنى "الله أكبر" ولا مؤدِّيًا لحقِّ هذا اللفظ، ولا أتى البيت من بابه، بل الباب عنه مسدود. وهذا بإجماع السلف: أنه لا يثاب العبد من صلاته إلا ما عَقَل منها وحَضره بقلبه.

وما أحسن ما قال أبو الفرج ابن الجوزي في بعض وَعْظه١: "حضورُ القلب أول منزل من منازل الصلاة، فإذا نزلته انتقلْتَ إلى بادية المعنى٢، فإذا رَحَلت عنها أنَخْت بباب المناجاة، فكان أولُ قِرَى ضيفِ اليقظةِ كَشْفَ الحجاب لعين القلب، فكيف يطمع في دخول مكة٣ من لا خرج إلى البادية، بعد تَبعث قلبك في كل وادٍ، فربما تفجأك الصلاةُ في ليس قلبك٤ عندك، فتبْعَث الرسول وراءه فلا يصادفه، فتدخل في الصلاة بغير قلب"-

والمقصود أنه قبِيح بالعبد أن يقول بلسانه: "الله أكبر" وقد امتلأَ قلبه بغير الله، فهو قِبْلة قَلْبِه٥ فى الصلاة، ولعله لا يحضر بين يدي ربه في شيء منها. فلو قضى حق: "الله أكبر" وأتى البيتَ من بابه، لدخل وانصرف بأنواع: التحف والخيرات، فهذا الباب الذي يدخل منه

  1. (١) في كتاب "المدهش": (ص/ ٤٥٤).
  2. (٢) كذا فى الأصول، وفى "المدهش": "العمل".
  3. (٣) إلى هنا الكلام متوافق مع ما في "المدهش" وبقية الكلام ليس فيه.
  4. (٤) ليست في (ق).
  5. (٥) أي: غير الله مستولٍ على قلبه، وفي (ق): "فهو وقلبه".
696

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي