وأن لهما تأثيرًَا خاصَّا في دفع السحر والعين وسائر الشرور، وأن حاجةَ العبدِ إلى الاستعاذة بهاتين (ق/ ١٧٠ أ) السورتين أعظمُ من حاجته إلى النفَس والطعام والشراب واللباس.
فنقول -والله المستعان-: قد اشتملت السورتان على ثلاثةِ أصول، وهي أصول الاستعاذة١:
أحدها: نفس الاستعاذة.
والثاني: المستعاذ به.
والثالث: المستعاذ منه.
فبمعرفة ذلك تُعْرَف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين، فلنعقد لهما ثلاثة فصول؛ الفصل الأول: في الاستعاذة، والثاني: في المستعاذ به، والثالث: في المستعاذ منه.
(١) "وهي أصول الاستعاذة" ساقطة من (ق).
الفصل الأول
اعلم أن لفظ "عاذ" وما تصرف منها تدل على التحرُّز (ظ / ١٢٨ ب) والتحصّن والالتجاء١، وحقيقة معناها: الهروب من شيءٍ تخافه إلى من يعصمك منه، ولهذا يسمى المستعاذ به: "مَعَاذًا"، كما يسمى "ملجأ ووَزَرًا".
وفي الحديث: أن ابنةَ الجَوْن لما أدخِلت على النبيِّ ﷺ فوضع يده عليها، قالت: أعوذُ باللهِ منكَ، فقال لها: "لقد عذْتِ بِمَعَاذٍ الحَقِي بأهْلِكِ"٢. فمعنى "أَعوذُ": ألتجئ وأعتصِم وأتحرز، وفي أصله قولان؛ أحدهما: أنه مأخوذ من الستر. والثاني: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة.
فأما من قال: إنه مأخوذ من الستر، قال: العرب تقول للنبت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها: "عُوَّذ" بضم العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظِلها سموه "عُوَّذا"، فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه، واستجنَّ به منه.
ومن قال: هو من٣ لزوم المجاورة، قال: العرب تقول للحْمِ إذا لَصِق بالعظم فلم يتخلص منه "عُوذ"؛ لأنه اعتصم به واستمسك به، فكذلك العائد قد استمسك بالمعَاذ٤، واعتصم به ولزمه.
(١) (ظ): "والنجاة"، (د): "التخلص والنجاة".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٢٥٥) من حديث أبي أُسيد الساعدي ﵁.
(٣) من (ق).
(٤) كذا في الأصول: "المعاذ"، وفي "المنيرية": "المستعاذ به".