بدائع الفوائد

والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإن المستعيذ مستتر بمعَاذه متمسِّك به معتصم به، قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا شَهَر عدوه١ سيفًا [٢ وقصده به، فهربَ منه فعرضَ له أبوه في طريق هربه، فإنه يُلقي نفسَه عليه ويستمسك به أعظم استمساك، فكذلك العائد قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكَه إلى ربِّه ومالكه، وفرَّ إليه وألقى نفسه بين يديه واعتصم به واستجار به والتجأ إليه.

وبعد؛ فمعنى الاستعاذة القائم بقلبه وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذٍ من الالتجاء والاعتصام والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه والتذلل بين يديه، أمر لا تحيط به العبارة.

ونظير هذا التعبير عن معنى محبته وخشيته وإجلاله ومهابته، فإن العبارة تَقْصُر عن وصف ذلك، ولا تُدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الصفة والخبر، كما أنك إذا وصفتَ لذَّة الوقاع لِعِنينٍ لم تُخلَق له شهوةٌ أصلًا، فلو قربتها وشبَّهتها بما عساك أن تشبهها به لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه، فإذا وصفتها لمن خُلِقَت فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق.

وأصل هذا الفعل: "أَعْوُذ" بتسكين العين وضم الواو، ثم أُعِلَّ بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو، فقالوا: "أَعُوْذ" على أصل هذا الباب، ثم طَرَدوا إعلالَه فقالوا في اسم الفاعل: "عائذ"، وأصله: "عاوذ"، فوقعت الواو بعد ألف فاعل فقلبوها همزة، كما

  1. (١) (ظ ود): "عنده"، و"المنيرية": "أشهر عليه عدوه".
  2. (٢) من هنا إلى قوله ص/ ٧٠٧: "أنشأه" ساقط من (ق).
704

قالوا: "قائم وخائف"، وقالوا في المصدر "عياذًا بالله"، وأصله "عِواذًا" كـ "لِواذ"، فقلبوا الواو ياء للكسرة قبلها، ولم تحصنها حركتها؛ لأنها قد ضعفت بإعلالها في الفعل، وقالوا "مستعيذ"، وأصله: "مستعوِذ" كـ "مستخْرِج"، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلَها، قلبت الواو قبلها كسرة فقلبت ياء على أصل الباب١.

فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل كقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] ولم تدخل في الماضي والمضارع، يل الأكثر أن يقال: "أعوذ بالله"، و"عذْت بالله"، دون "أستعيد" و"استعذت"؟.

قلت: السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: "أَسْتَعيذ بالله"، أي: أطلب العياذَ به، كما إذا قلت: "أَسْتَخير الله"، أي: أطلبُ خِيرتَه، و"أَسْتَغفره" أي: أطلب مغفرته، و"أَسْتَقِيله" أي: أطلب إقالته، فدخلت في الفعل إيذانًا لطلب هذا المعنى من المعاذ، فإذا قال المأمور: "أعوذ بالله"، فقد امتثل ما طُلِب منه؛ لأنه طَلَب منه الالتجاء والاعتصام، وفَرْق بين نفس الالتجاء والاعتصام، وبين طلب ذلك. فلما كان المستعيذ (ظ/١٢٩ أ) هاربًا ملتجئًا معتصمًا بالله أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك، فتأمله.

وهذا بخلاف ما إذا قيل: "اسْتَغْفِرِ الله"، فقال: "أَستَغْفر الله"، فإنه طلب منه أن يطلب المغفرةَ من الله، فإذا قال: "أسْتَغْفِر الله" كان ممتثلًا؛ لأن المعنى أطلب من الله أن يغفر لي. وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين، فيقول: "أَسْتَعيد بالله"، أي: أطلب منه أن يعيذني، ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام

  1. (١) كذا العبارة وفيها اضطراب، ولعلها: "ثم قلبت الواو ياءً للكسرة قبلها".
705

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي