بدائع الفوائد

يخبر الشارعُ بذلك لكان الواقعُ والتجربةُ الخاصَّةُ والعامةُ من أكبر شهوده.

وهل زالت عن أحدٍ قطُّ نعمةٌ إلا بشؤم معصيته، فإنَّ الله إذا أنعم على عبد بنعمة حفظها عليه، ولا يغيِّرُها عنه حتى يكونَ هو السَّاعيَ في تغييرها عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ١١﴾ [الرعد: ١١].

ومن تأمَّل ما قصَّ الله -تعالى- في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمَه عنهم، وجد سبب ذلك جميعَه إنما هو مخالفةُ أمره وعصيانُ رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم من نعمه، وجد ذلك كلَّه من سوء عواقب الذنوب كما قيل:

إذا كنتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَهافإنَّ المعاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ١

فما حُفِظت نعمةُ الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه، فإنها نارُ النعم التي تعملُ فيها كما تعمل النار في الحَطَبِ اليابس.

ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له، والمقصود أن هذه الأسباب شرورٌ ولا بُدَّ. وأما كون مسبباتها شرورًا؛ فلأنها آلامٌ نفسية وبدنية فيجتمعُ على صاحبها مع شدَّة الألم الحسي ألَمُ الرُّوح بالهموم والغموم، والأحزان والحسرات.

ولو تفطَّنَ العاقلُ اللّبيبُ لهذا حقَّ التَّفَطُّن لأعطاه حقَّه من الحذر والجدِّ في الهرب ولكن قد ضَرَبَ على قلبه حجابَ الغفلة ليقضيَ

  1. (١) ذكره في "نفح الطيب": (٢/ ١٧٤).
712

الله أمرًا كان مفعولًا. فلو تَيَقَّظَ حقَّ التَّيَقُّظِ لتقطَّعَتْ نفسُه في الدنيا حسرات على ما فاته من حظِّه العاجل والآجل من الله، وإنما يظهرُ له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم، والإشراف والاطِّلاع على عالم البقاء فحينئذ يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤﴾ [الفجر: ٢٤] و﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].

ولما كان الشرُّ هو الآلامَ وأسبابها، كانت استعاذاتُ النبي ﷺ جميعُها مدارها على هذين الأصلين، فكل ما استعاذَ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو: إما مؤلمٌ وإما سبَبٌ إليه. فكان يتعوَّذُ في آخر الصلاة من أربع، وأَمَر بالاستعاذة منهن، وهي: "عذاب القبر، وعذاب النار"، فهذان أعظم المؤلمات، و"فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال"١. وهذان سبب العذاب المؤلم، فالفتنةُ سبب العذاب، وذَكَر الفتنةَ خصوصًا وعمومًا، وذكر نوعي الفتنة، فإن الفتنة إما في الحياة وإما بعد الموت، ففتنةُ الحياة قد يَتَراخى عنها العذاب مدَّة، وأما فتنة الموت فَيَتَّصلُ بها العذابُ من غير تراخٍ، فعادت الاستعاذةُ إلى الألم والعذاب وأسبابهما، وهذا من آكَدِ أدعية الصلاة حتى أوجب بعضُ السَّلف والخَلَف الإعادةَ على من لم يَدْعُ به في التَّشَهُّد الأخير، وأوجبه ابنُ حزم في كل تشهد فإن لم يأتِ به بَطَلَتْ صَلَاتُهُ٢.

ومن ذلك قوله: "اللَّهُمَّ إني أعوذُ بكَ من الهَمِّ والحَزَنِ والعَجْزِ

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (١٣٧٧)، ومسلم رقم (٥٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) انظر "المحلى": (٣/ ٢٧١).
713

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي