بدائع الفوائد

والكَسَل والجُبْنِ والبُخْلِ وضَلَعِ الدَّيْنِ وغَلَبَةِ الرِّجَالِ"١، فاستعاذ من ثمانية أَشياء كل اثنين منها قرينان، فالهم والحزن قرينان، [وهما] من آلام الرُّوح ومعذباتها، والفرق بينهما أن الهمَّ تَوَقُّعُ الشر في المستقبل، والحزن التَّألُّم على حصول المكروه فِي الماضي أو فوات المحبوب، وكلاهما تألُّمٌ وعذابْ يَرِدُ على الروح، فإنْ تَعَلَّقَ بالماضي سُمِّي حزنًا، وإن تعَلَّق بالمستقبل سُمِّي همًّا.

والعجز والكسل قرينان، وهما منْ أسباب الألم؛ لأنهما يستلزمان فوات المحبوب، فالعجز يستلزم عدمَ القدرة، والكسلُ يستلزمُ عدم إرادته، فتتألمُ الرُّوح لفواته بحسب تعلُّقها به، والتذاذها بإدراكه لو حصل.

والجبنُ والبخل قرينانِ؛ لأنهما عدمُ النفع بالمال والبَدَن، وهما من أسباب الألم، لأن الجبان تفوتُهُ محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة لا تُنال إلَّا [بالبَذْل والشجاعة]٢ فالبخل يحولُ بينه وبينها أيضًا، فهذان الخُلُقان من أعظم أسباب الآلام.

وضَلَع الدَّيْن وقَهْر الرجال قرينان، وهما مؤلمان للنفس معذبان لها؛ أحدُهما قهر بحق وهو ضَلَع الدَّيْن. والثاني قهر بباطل هُو غَلَبَةُ الرجال، وأيضًا فضَلَعُ: الديْن قهرٌ بسبب من العبد في الغالب، وغلبة الرجال قهر٣ بغير اختياره.

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (٢٨٩٣) ومسلم رقم (٢٧٠٦) من حديث أنسٍ ﵁.
  2. (٢) (ق): "بالشجاعة والإقدام" مع تكرار، و(ظ ود): "بالبذل والسخاء".
  3. (٣) (ق): "فهي".
714

ومن ذلك تعوُّذُه ﷺ: "مِنَ المَأثَمِ وَالمَغْرَمِ"١ فإنهما يسببان الألم العاجل والآجل٢، ومن ذلك قوله: "أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ"٣، فالسخط سبب الألمِ، والعقوبة هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام وأقوى أسبابها.

فصل

والشرُّ المستعاذُ منه نوعان:

أحدهُما: موجود يُطلب رفعه.

والثاني معدومٌ يطلبُ بقاؤه على العدم وأن لا يوجد.

كما أن الخير المطلق نوعان:

أحدهما موجودٌ فيطلب دوامه وثباته وأن لا يسلبه.

والثاني معدومٌ فيطلب وجوده وحصوله.

فهذه أربعةُ هي أمهات مطالب السَّائلين من ربِّ العالمَين، وعليها مدارُ طَلَبَاتِهِم، وقد جاءت هذه المطالبُ الأربعةُ في قوله تعالى حكايةً٤ عن دعاء عباده في آخر آل عمران في قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣] فهذا الطلب لدفع الشر الموجود فإن

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (٨٣٢)، ومسلم رقم (٥٨٩) من حديث عائشة ﵂.
  2. (٢) من (ق).
  3. (٣) تقدم ١/ ٢٩٤.
  4. (٤) (ق): "في الآية".
715

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي