وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ نَزَلَ مَنْزلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ لم يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ" رواه مسلم١.
روى أبو داود في "سننه"٢ عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ، أَعُوذُ باللهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ ما فِيكِ وَشَرِّ ما خُلِقَ فِيكِ وَشَرِّ ما يَدِبُّ عَلَيْكِ، أَعُوذُ باللهِ مِنْ أَسَدٍ وأَسْوَد، ومنْ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ، ومن سَاكِنِ البلَدِ، ومِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ"٣.
وفي الحديث الآخر: "أعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ الّتِى لا يُجَاوِزُهُا بَرٌّ ولا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ ما خَلَق وذَرَأَ وبَرَأَ، وَمنْ شَرِّ ما يَنَزِلُ مِنَ السَّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فيها، ومنْ شَرِّ مَا ذَرَأ في الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنهْا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَمنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إلَاّ طارقًا يَطْرُق بخيرٍ يا رَحْمنُ"٤.
فصل
الشر الثاني: شر الغاسق إذا وقب فهذا خاصٌّ بعد
(١) رقم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم السُّلَميّة ﵂.
(٢) رقم (٢٦٠٣).
(٣) وأخرجه أحمد: (١٠/ ٣٠١ رقم ٦١٦١)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (٥٦٣)، وابن خزيمة رقم (٢٥٧٢)، والحاكم: (٢/ ١٠٠) وغيرهم. والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم؛ لكن فيه الزبير بن الولد لم يوثقه معتبر، وقد تفرَّد بهذا الحديث.
(٤) أخرجه أحمد: (٢٤/ ٢٠٠ رقم ١٥٤٦٠)، وأبو يعلى رقم (٦٨٤٤) وغيرهم من طرقٍ عن جعفر بن سليمان الضبعي عن أبي التيَّاح عن عبد الرحمن بن خنبش التميمي بنحوه. وقد تفرّد به جعفر، وهو ممن ينفرد بالمناكير.
عام، وقد قال أكثرُ المفسرين: إنه الليل. قال عبد الله بن عباس: الليلُ إذا أقبلَ بظلمته من الشَّرق، ودخل في كلِّ شيء وأظلمَ١، والغَسَقُ: الظُّلْمَةُ. يقال: غَسَقَ اللَّيْلُ، وأغْسَقَ: إذا أظلم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾[الإسراء: ٧٨].
وكذلك قال الحسنُ ومجاهد: الغاسق إذا وقب: الليل إذا أقبل ودخل، والوُقوب: الدخولُ، وهو دخولُ اللَّيل بغروب الشمس، وقال مقاتل: يعني ظُلْمَةَ اللَّيل إذا دخل سوادُه في ضوء النهار. وفي تسمية الليل غاسِقًا قولٌ آخرُ: إنه من البَرْد، والليل أبردُ من النهار، والغَسَق: البَرْدُ، وعليه حَمَل ابن عباسٍ قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ٥٧﴾[ص: ٥٧] وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ٢٤ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ٢٥﴾[النبأ: ٢٤ - ٢٥] قال: هو الزمهريرُ يحرقُهم ببرده كما تحرقهم النار بحرها. وكذلك قال مجاهد ومقاتل: هو الذي انتهى برْدُهُ٢.
ولا تنافيَ بين القولين: فإن الليلَ باردٌ مظلم، فمن ذكر بردَهُ فقط أو ظلمته فقط، اقتصر على أحد وصفيه، والظلمةُ فِي الآية أنسبُ لمكان الاستعاذة، فإن: الشَّرَّ الذي ينشأ بسبب٣ الظلمةَ أوْلى بالاستعاذة من البَرْد الذي في الليل، ولهذا استعاذ بربِّ الفلق الذي هو الصبْحُ والنور، من شرِّ الغاسق الذي هو الظُّلمة، فناسبَ الوصفُ المستعاذ به للمعنى المطلوب بالاستعاذة، كما سنزيدُه تقريرًا عن قريب إن شاء الله.