بدائع الفوائد

فإن قيل: فما تقولونَ فيما رواه التِّرمذي١ من حديث ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشة قالت: "أخذَ النبي ﷺ بيدي فنظر إلى القمر فقال: "يا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي باللهِ منْ شَرِّ هَذا، فَإِنَّ هَذا هُوَ الغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ"٢. قال التِّرْمِذِيُّ: "هَذا حديث حسن صحيح"، وهذا أولى من كلِّ تفسير فيتعيَّنُ المصرُ إليه؟.

قيل: هذا التفسيرُ حقٌّ، ولا يناقضُ التفسيرَ الأوَّلَ بل يوافقُهُ ويشهدُ بصحَّتِهِ، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] فالقمر هو آيةُ الليلِ وسلطانُه، فهو أيضًا: غاسقٌ إذا وَقَبَ، كما أن اللَّيلَ غاسِقٌ إذا وقب، والنبيُّ ﷺ أخبر عن القمر بأنه غاسق إذا وقب، وهذا خبر صدق، وهو أصدقُ الخبر، ولم ينفِ عن اللَّيل اسمَ الغاسق إذا وَقَبَ، وتخصيص النبي ﷺ له بالذِّكر لا ينفي شمولَ الاسم لغيره.

ونظير هذا قوله في المسجد الذي أُسِّس على التَّقْوى، وقد سُئِل عنه فقال: "هُوَ مَسْجِدِي هذا"٣ ومعلومٌ أن هذا لا ينفي كونَ مسجدِ قُباءٍ مؤسَّسًا على التقوى، [بل ثبت أن مسجده أحق بالدخول في هذا الاسم، وأنه أحق بأن يكون مؤسسًا على التقوى]٤ من ذاك.

  1. (١) (ق): "في جامعه".
  2. (٢) أخرجه الترمذي رقم (٣٣٦٦)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (٣٠٥)، وأحمد (٦/ ٦١ ومواضع أخرى)، والحاكم (٢/ ٥٤٠) من حديث عائشة ﵂.
    والحديث قال فيه الترمذي "حسن صحيح"، وصححه الحاكم، وحسنه الحافظ في "الفتح": (٨/ ٦١٣).
  3. (٣) أخرجه مسلم رقم (١٣٩٨) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
  4. (٤) ما بين المعكوفين من (ق).
729

ونظيره أيضًا: قوله في عَلِيٍّ وفاطمة والحسن والحسين - ﵃ أجمعين -: "اللَّهُمَّ هؤلاءِ أَهْلُ بَيْتي"١، فإن هذا لا ينفي: دخول غيرهم من أهل: بيته فِي لفظ أهل البيت، ولكن هؤلاء أحق من دخل فِي لفظ أهل بيته.

ونظير هذا قوله: "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهذا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلكِنَّ المِسْكِينَ الّذِي لا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا، وَلا يُفْطَنُ لهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ"٢ وهذا لا ينفي اسم المسْكَنة عن الطوَّاف، بل يحفي اختصاصَ الاسم به، ويبيِّن أن تناولَ المسكين لغير السَّائل أولى من تناوله له.

ونظيرُ هذا قوله: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَلَكِنّ الشَّدِيدَ الّذِيْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب"٣ فإنه لا يقتضي نفي الاسم عن الذي يصرعُ الرجالَ، ولكن يقتَضي أن ثبوتَه للذي يملكُ نفسَه عند الغضب أولى، ونظيره [الغَسَقُ]٤ والوُقُوبُ وأمثالُ ذلك، فكذلك قوله فِي

  1. (١) أخرجه أحمد: (٢٨/ ١٩٥ رقم ١٦٩٨٨)، وابن حبان "الإحسان": (١٥/ ٤٣٢)، والحاكم: (٢/ ٤١٦)، والبيهقي: (٢/ ١٥٢)، وغيرهم من حديث واثلة بن الأسقع ﵁.
    والحديث صححه ابن حبان والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط مسلم. وللحديث شاهد من حديث أم سلمة أخرجه أحمد: (٦/ ٢٩٢)، والحاكم: (٢/ ٤١٦).
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (١٤٧٦)، ومسلم رقم (١٠٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) أخرجه البخاري رقم (٦١١٤)، ومسلم رقم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  4. (٤) في الأصول: "المغلس" والمثبت من "المنيرية".
730

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي