بدائع الفوائد

ظلماءَ حِنْدِس، وسأل النبي ﷺ: كيف يأتيك؟ فقال "في مثْلِ ضوْءِ النَّهارِ"١، فاستدلَّ بهذا على نُبُوَّته، وأنَّ الذي يأتيه مَلَكٌ من عند الله، وأن الذي يأتي مُسَيْلَمَةَ شيطانٌ، ولهذا كان سلطانُ السحر وعِظَم تأثيره إنما هو باللَّيل دون النهار، فالسِّحْرُ اللَّيْلِيُّ عندَهم هو السِّحْرُ القويُّ التأثيرُ، ولهذا كانت القلوبُ المظلمةُ هي محالَّ الشياطين وبيوتَهم ومأواهم، والشياطينُ تجولُ فيها وتتحكَّمُ كما يتحكَّمُ ساكنُ البيت فيه، وكلما كان القلبُ أظلم كان للشيطانِ أطوَعَ، وهو فيه أثبَتُ وأمكنُ.

فصل

ومن هاهنا تعلم السِّرَّ في الاستعاذة بربِّ الفلق في هذا الموضعِ، فإن الفلقَ الصُّبْحُ الذي هو مبدأُ ظهور النور، وهو الذي يطردُ جيش الظلام وعَسْكر المفسدين في الليل، فيأوي كلُّ خبيث وكلُّ مفسدٍ وكلُّ لصٍّ وكلُّ قاطع طريق إلى سَرَبٍ أو كِنٍّ أو غارٍ، وتأوي الهوامُّ إلى جِحَرتها٢، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنَتِها ومحالِّها.

فأمر الله تعالى عباده أن يستعيذوا برَبِّ النور الذي يقهَرُ الظُّلْمَة ويُزيلها ويقهرُ عسكرَها وجيشَها، ولهذا يخبر سبحانه في

  1. (١) لم أجده، لكن أخرج أحمد: (١/ ٣١٢)، والطبراي بنحوه -كما في المجمع: ٨/ ٢٥٨ - عن ابن عباس، وابن سعد في "الطبقات": (١/ ١٩٥) عن عروة مرسلًا بسندٍ صحيح في حديث بدء الوحي أن النبي ﷺ قال لخديجة: "إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا ... ".
    قال الهيثمي عن سند أحمد: "ورجاله رجال الصحيح".
  2. (٢) (ظ ود): "أجحرتها"، والمثبت من (ق) وهو جمع "جُحْر" ويجمع على: "جِحَرة وأجحار" في انظر "اللسان": (٤/ ١١٧).
733

كلِّ كتاب١ أنه يخرجُ عبادَهُ من الظُّلُماتِ إلى النُّور، ويدَعُ الكفارَ في ظلمات كفرهم قال تعالى الله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقال في أعمار الكفار: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ٤٠﴾ [النور: ٤٠].

وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥].

فالإيمان كلُّه نور، ومآله إلى نور، ومستقرُّه في القلب المضيء المستنير، والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة، والكفر والشرك كله ظلمة، ومآله إلى الظلمات، ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة.

فتأملْ الاستعاذة بربِّ الفلق من شرِّ الظُّلْمة ومن شرِّ ما يحدثُ فيها وَنَزِّولْ هذا المعنى على الواقع يشهدْ به: أن القرآن بل هاتانِ السورتان من أعظم أعلام النبوة وبراهين صِدْق رسالة محمد ﷺ ومضادَّةِ لما جاء به الشَّياطينُ من كل وجه، وأن ما جاء به ما تنزلت به الشياطين، وما ينبغي لهم، وما يستطيعون فما فعلوه، ولا يليقُ

  1. (١) "فى كل كتاب" ليست في (ق).
734

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي