مثَّلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى، فضلُّوا في جميع ذلك ضلالَ من يطلبُ في تِيْهه وتحيُّره١ طريقًا يسلكه فلا يقدر عليه، فإنه أي طريق أخذَها فهي طريقُ ضلال وحيرة، فهو متحيِّر في أمره لا يهتدي سبيلًا، ولا يقدرُ على سلوكها فهذا٢ حالُ أعداءِ رسول الله ﷺ معه حتى ضربوا له أمثالًا بَرَّأَهُ الله منها، وهو أبعدُ خَلْقِ الله منها، وقد علم كلُّ عاقلٍ أنها كَذِبٌ وافتراءٌ وبهتانٌ.
وأما قولكم: "إن سحر الأنبياء يُنافي حمايةَ الله لهم وصيانته لهم [أن يُسْحَروا"، فجوابه: أن ما يصيبهم من أذى أعدائهم لهم، وأذاهم إياهم لا ينافي حماية الله وصيانة لهم]٣؛ فإنه سبحانه كما يَحْميهم ويصونُهم ويحفظُهم ويتولَاّهُم فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلَّى بهم من بعدهم من أُمَمِهم وخُلفائِهم إذا أُوذوا من النَّاس، فرأوا ما جرى على الرُّسُل والأنبياء، صبروا ورَضُوا وتأسَّوْا بهم، ولِتمتلِيءَ صاعُ الكفار فيستوجبون ما أُعِدَّ لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بَغْيهم وعداوتهم٤، فيعَجِّل تطهيرَ الأرض منهم، فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائِه ورسله بأذى قومهم، وله الحكمةُ البالغةُ والنعمةُ السابغةُ، لا إلهَ غيرهُ، ولا رَبَّ سواه.
فصل
وقد دلَّ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ٤﴾،
(١) (ق): "في تيهٍ وغيره".
(٢) (ظ): "فكهذا".
(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ظ ود) والمطبوعات، ومستدرك من (ق).
(٤) (ق): "وعدوانهم".
وحديثُ عائشة ﵂ المذكور على تأثير السحر وأن له حقيقة، وقد أنكر ذلك طائفةٌ من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وقالوا: إنه لا تأثيرَ للسحر ألبَتَّةَ لا في مرض ولا قتل ولا حَلٍّ ولا عقد قالوا: وإنما ذلك تخيلُ لأعين الناظرين، لا حقيقةَ له سوى ذلك.
وهذا خلافُ ما تواترت به الآثارُ١ عن الصحابة والسَّلَف، واتفق عليه الفقهاءُ وأهل التفسير والحديث، وأربابُ القلوب من أهل التَّصَوُّف، وما يعرفُهُ عامَّةُ العقلاء.
والسحرُ الذي يؤثر مرضّا وثقلًا، وحلًّا وعقدًا، وحبًّا وبغضًا ونزيفًا، وغير ذلك من الآثار موجودٌ تعرِفُهُ عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيبَ به منه.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ٤﴾ دليل على أن هذا النفث يضرُّ المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضررُ لا يحصُلُ إلا بمباشرة البَدَن ظاهرًا -كما يقولُه هؤلاء- لم يكنْ للنَّفثِ ولا للنفَّاثات شرٌّ يستعاذ منه.
وأيضًا: فإذا جاز على الساحر أن يَسْحَرَ جميعَ أعينِ النَّاظرين -مع كثرتهم- حتى يَرَوا الشيءَ بخلاف ما هو به -مع أن هذا تَغَيُّرٌ في إحساسهم٢ - فما الذي يحيلُ تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقُواهم وطِباعهم؟! وما الفرقُ بين التَّغيير الواقع في الرُّؤية والتَّغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبَدَن؟!.