في أن كلَّ واحد منهما تتكيَّفُ نفسُه وتتوجَّهُ نحو من يريدُ أذاه، فالعائنُ تتكيَّفُ١ نفسُه عند مقابلة المَعِينِ ومُعَايَنَتِهِ. والحاسد يحصلُ له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضا.
ويفترقان في أن العائن قد يُصيبُ من لا يحسدهُ من جماد أو حيوان أو زرع أو مال، وإن كان لا يكادُ يَنْفَكُّ من حسد صاحبه. وربما أصابتْ عينُهُ نفسَه، فإن رؤيته للشيء رؤيةَ تعجُّبٍ وتحديقٍ، مع تكيُّف نفسِه بتلك الكيفية تؤثرُ في المَعِين٢.
وقد قال غير واحد من المفسرين٣ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾[القلم: ٥١] إنه الإصابةُ بالعَيْن، فأرادوا أن يُصِيبوا بها رسول الله ﷺ، فنظر إليه قوم من العائنين وقالوا: ما رأينا مِثْلَهُ ولا مِثْلَ حُجَّته٤. وكان طائفةٌ منهم تمرُّ به الناقةُ والبقرةُ السمينةُ فَيَعينُها، ثم يقول لخادمه: خُذِ المِكْتَلَ والدِّرهم وَآتِنا بشيء من لحمها، فما تبرحُ حتى تقعَ فتُنْحَرَ.
وقال الكلبيُّ٥: كان رجل من العرب يمكثُ يَوْمين أو ثلاثة لا يأكلُ، ثم يرفعُ جانب خِبَائِهِ فتمرُّ به الإبلُ فيقول: لم أرَ كاليوم إبلًا ولا غَنَمًا أحسنَ من هذه، فما تذهبُ إلا قليلًا حتى يسقطَ منها طائفة، فسأل الكفارُ هذا الرجلَ أن يُصيبَ رسول الله بالعين ويفعل به كفعله في غيره، فعصم الله تعالى رسولَه وحفظَه، وأنزل
(١) هذه وما قبلها في (ق): «تتكشّف».
(٢) وانظر: «زاد المعاد»: (٤/ ١٦٤ - فما بعدها).
(٣) انظر «تفسير الطبري»: (١٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤) عن ابن عباس وغيره.
وقالت طائفة أخرى -منهم ابن قتيبة١ -: ليس المرادُ أنهم يُصِيبونك بالعين كما يُصيبُ العَائِنُ بعينه ما يعجِبُهُ، وإنما أرادَ أنهم ينظرونَ إليك إذا قرأتَ القرآنَ الكريم نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء يكادُ يسقِطُكَ.
قال الزَّجَّاجُ٢: يعني من شِدَّة العداوة يكادون بنظرهم نظرَ البُغَضَاء أن يصرعوك، وهذا مستعملٌ في الكلام، يقول القائل: نظر إليَّ نظرةً قد كان يصرعُني منها.
قال: ويدلُّ على صحَّة هذا المعنى أنه قَرَن هذا النَّظَرَ بسماع القرآن الكريم، وهم كانوا يكرهون ذلك أشدَّ الكراهة، فيُحِدُّون إليه النَّظَرَ بالبغضاء.
قلت: النظرُ الذي يُؤَثِّرُ في المنظور قد يكون سبَبُهُ شِدَّةَ العداوة والحسد، فيؤثر نظره في كما تؤثر نفسه بالحسد، ويقوى تأثيرُ النفس عند المقابلة، فإن العدوَّ إذا غاب عن عدوه قد يشغل نفسُه عنه، فإذا عاينَه قُبلًا اجتمعت الهِمَّةُ عليه، وتوجَّهتِ النفسُ بكُلِّيَّتِها إليه، فيتأثَّرُ بنظره، حتى إن من النَّاسِ من يَسْقُطُ، ومنهم من يُحَمُّ، ومنهم من يُحْمَلُ إلى بيته، وقد شاهدَ الناسُ من ذلك كثيرًا.
وقد يكون سبَبَهُ الإعجابُ، وهو الذي يسمُّونه بإصابة العين، وهو أن الناظرَ يرى الشيءَ رؤيةَ إعجابٍ به أو استعظامٍ، فتتكيَّفُ
(١) في "تأويل مشكل القرآن": (ص/ ١٧٠)، والمؤلف ينقل من "تفسير البغوي": (٤/ ٣٨٤).