أحدها: التَّعَوُّذ بالله تعالى من شرِّه، والتَّحصُّن به، واللَّجَأ إليه، وهو المقصود بهذه السورة، والله تعالى سميع لاستعاذته٢، عليمٌ بما يبستعيذُ منه، والسمعُ هنا المرادُ به سمع٣ الإجابة لا السمع العام، فهو مثل قوله: "سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ". وقول الخليل ﷺ: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. ومرَّةً يقرنُهُ بالعلم، ومَرَّةً بالبصر، لاقتضاء حال المستعيذ ذلك، فإنه يستعيذ بربه٤ من عدوٍّ يعلم أن الله تعالى يراهُ، ويعلم كيدَهُ وشرَّهُ، فأخبر. الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي: مجيب عليمٌ بكيد عدُوِّه يراه ويُبصِرُه لينبسطَ أملُ المستعيد ويُقْبِلَ قلبه٥ على الدعاء.
(١) من هنا يبدأ الجؤء الموجود من النسخة العمرية وكُتِب عليه: "الجزء الثاني من بدائع الفوائد" ورمزنا له بـ "ع". وفي أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم، وبه الإعانة". وكتب في هامش (ظ) في هذا الموضع: "أول الجزء الثاني من البدائع".
(٢) ليست في (ق).
(٣) ليست فِي (ع)، و(ظ ود): "سموع".
(٤) (ظ ود): "به".
(٥) : "بقلبه".
وتأملْ حكمة القرآن الكريم كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلمُ وجوده ولا نراه بلفظ: (السميع العليم) في (الأعراف) و(حم السجدة)، وجاءت الاستعاذةُ من شرِّ الإنس الذين يؤنَسُون ويُرَوْن بالأبصار بلفظ: (السميع البصير) في سورة (حم المؤمن) فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ٥٦﴾[غافر: ٥٦]؛ لأن أفعال هؤلاء أفعال مُعَايَنة تُرَى بالبصر.
وأما نزْغُ الشَّيطان؛ فوساوسُ وخَطَراتٌ يُلقيها في القلب، يتعلَّقُ بها العلم، فأمَر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسَّميع البصير في باب ما يُرى بالبصر ويُدركُ بالرُّؤية، والله أعلم.
السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمرِه ونفِيه، فمن أتقى الله تولى الله حفظه، ولم يَكِلْه إلى غيره١، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾[آل عمران: ١٢٠] وقال النبى ﷺ لعبد الله بن عباس: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ"٢، فمن حفظ الله حفظه الله ووجده أمامَه أينما توجَّه، ومن
(١) في هامش (ق) حاشية بخط العلامة ابن علان الصديقي نصُّها: "لكاتبه الفقير الحقير محمد على ابن علان البكري الصديقي الشافعي: ... اتق اللهَ لا تخف من فلانٍ ... ما فلانٌ -مع التُّقى- بفلانِ وأدْرِ أن المقضِيَّ حَتْم وما لم ... يقضِهِ الله لا يكن بزمانِ
(٢) أخرجه الترمذي رقم (٢٥١٦)، وأحمد: (٤/ ٤١٠ رقم ٢٦٦٩) وغيرهم من طرقٍ كثيرة عن ابن عباسٍ ﵄. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال الحافظ ابن رجب في "نور الاقتباس": (ص/ ٣١): "وأجود أسانيده من رواية حَنَش عن ابن عباس، وهو إسناد حسن لا بأس به" اهـ. ونحوه في "جامع العلوم والحكم": (١/ ٤٦٠ - ٤٦١).