وفي "الصحيحين"١ من حديث الزُّهْري، عن علي بن حسين، عن صَفِيَّة بنت حُيَيّ، قالت: "كان رسول الله ﷺ معتكفًا فأتيتُه أزوره ليلًا، فحدَّثتُه، ثم قمت فانقلبتُ، فقام معي ليقلِبَني -وكان مسكنُها في دار أُسامة بن زيد- فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: "عَلَى رِسْلِكُما إنَّها صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"، فقالا: سبحانَ اللهِ يا رسول: الله! فقال: "إنَّ الشَّيطانَ يجري من الإنسانِ مَجْرَى الدَّمِ، وإني خَشِيْتُ أن يَقْذَفَ في قلوبِكُما سواءً" -أو قال: "شيئًا"-.
وفي "الصحيح" أيضًا عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: "قال رسول الله ﷺ: "إذا نُوْدِيَ بالصَّلاةِ أدْبرَ الشَّيْطَان وله ضُرَاطٌ، فإذا قُضِي أقْبَلَ، فإذا ثُوِّبَ بها أَدْبَرَ، فإذا قُضِيَ أقْبَل حتى يَخْطرَ بين الإنسانِ وقلبه، فيقول: اذْكُرْ كذا اذْكُرْ كذا، حتَّى لا يَدْرِي أثَلاثا صَلَّى أم أربعًا، فَإذا لم يَدْر أثلاثا صَلَّى أم أرْبَعًا سَجَدَ سَجْدَتى السَّهْوِ"٢.
ومن وسوسته: ما ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يأتي الشَّيْطانُ أحَدَكمْ فيقولُ مَنْ خَلَقَ كذا؟ مَنْ خَلَقَ كذا؟ حتى يقولَ: مَنْ خَلَقَ الله؟ فَمَنْ وَجَدَ ذَلكَ فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ ولْيَنْتَهِ"٣.
وفي "الصحيح"٤ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إن أحَدَنا ليجدُ فى نفسه ما لأَنْ يَخِرَّ من السماء إلى الأرض أحَبُّ إليه من أن
(١) أخرجه البخاري رقم: (٢٠٣٥)، ومسلم رقم (٢١٧٥).
(٢) أخرجه البخاري رقم: (٦٠٨)، ومسلم رقم (٣٨٩).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٢٧٦)، ومسلم رقم (١٣٤).
(٤) ليس هو فى الصحيحين ولا أحدهما، وسنده على شرطهما.
يَتكَلَّمَ به، قال: "الحمْدُ للهِ الذي رَدَّ كَيْدَهُ إلى الوَسْوَسَةِ"١.
ومن وسوسته أيضًا: أن يَشغل٢ القلب بحديثه حتى يُنسِيَهُ ما يريدُ أن يفعلَه، ولهذا يضافُ النسيانُ إليه إضافتَه إلى سَبَبه، قال تعالى حكاية عن صاحب موسى إنه قال: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾[الكهف: ٦٣].
وتأمَّلْ حكمةَ القرآن الكريم وجلالَتَهُ كيف أوْقَعَ الاستعاذةَ من شَرِّ الشيطان الموصوف بأنه الوسواس الخنَّاس، الذي يوسوسُ في صدور الناس، ولم يقلْ: من شرِّ وسوسته؛ لتعمَّ الاستعاذةُ شرَّه جميعَه، فإن قوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ٤﴾[الناس: ٤]، يعم كلَّ شره، ووصفه بأعظم صفاته وأشدِّها شرًّا، وأقواها تأثيرًا، وأعمِّها فسادًا، وهى الوسوسة التي هى مبادئُ الإرادة، فإن القلبَ يكونُ فارغًا من الشر والمعصية، فيوسوسُ إليه، ويُخْطِرُ الذنبَ بباله، فيصوِّرُهُ لنفسه ويُمَنِّيه، ويُشَهِّيه فيصير شهوة، ويُزَيِّنُها له ويُحَسِّنُها ويُخَيِّلُها له في خيالٍ تميلُ نفسه إليه، فيصيرُ إرادة ثم لا يزالُ يُمَثِّلُ ويُخَيِّلُ، ويُمَنِّي ويُشَهِّي، ويُنَسِّي علمه بضررها، ويَطْوي عنه سُوءَ عاقبتها، فيحُوْلُ بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورةَ المعصية والتذاذَه بها فقط وينسى ما وراء ذلك، فتصير الإرادةُ عزيمةً جازمةً، فيشتدُّ الحرصُ عليها من القلب، فيبعثُ الجنودَ في الطَّلَب، فيبعثُ الشيطانُ معهم مَدَدًا لهم وعونًا، فإن فَتَروا حرَّكهم، وإن وَنَوْا٣ أزعجهم، كما قال تعالى:
(١) أخرجه أحمد: (٤/ ١٠ رقم ٢٠٩٧)، وأبو داود رقم (٥١١٢)، وابن حبان "الإحسان": (١/ ٣٦٠) وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄.