بدائع الفوائد

يقول: "ألْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ"١، وأعان اليهودَ على سحرهم للنبي ﷺ.

فإذا كان هذا شأنَهُ وهِمَّتَهُ في الشَّرِّ، فكيف الخلاصُ منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته! ولا يمكن حصرُ أجناس شَرِّه فضلًا عن آحادِها، إذ كلُّ شرٍّ في العالم فهو السبَبُ فيه، ولكن ينحصرُ شرُّهُ في ستة أجناس، لا يزالُ بابن آدم حتى ينالَ منه واحدًا منها أو أكثر:

* الشر الأول: شرُّ الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم بَرَد أنينُهُ، واستراح من تعبه معه، وهو أوَّلُ ما يُريده من العبد، فلا يزالُ به حتى ينالَهُ منه، فإذا نال ذلك منه صَيَّرَهُ من جنده وعسكره، واستنابه على أمثاله وأشكاله، فصار من دعاة إبليسَ ونوَّابه.

* فإن يَئِسَ منه من ذلك، وكان ممن سبق له الإسلامُ في بطن أُمه، نقله إلى المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحبُّ إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضرَرَها في نفس الدين وهو ضرر متعدَّ، وهىِ ذنبٌ لا يتابُ منه، وهي مخالفةٌ لدعوة الرُّسُل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك، فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقيَ أيضًا نائِبَهُ وداعيًا من دعاتِهِ.

* فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبدُ ممن سَبَقَتْ له من الله موهبةُ السُنَّة ومعاداة أهل البدَع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشَّرِّ، وهي الكبائرُ على اختَلاف أنواعها، فهو أشدُّ٢ حرصًا على أن يوقعَه فيها، ولا سيِّما إن كان عالمًا متبوعًا، فهو حريصٌ على ذلك لينفِّرَ الناس عنه، ثم يشيعُ من ذنوبه ومعاصيه في الناس ويستَنِيبُ

  1. (١) أخرجه مسلم رقم (٥٤٢) من حديث أبي الدرداء ﵁.
  2. (٢) (ع وق): "أشد شيءٍ ... ".
799

منهم من يشيعُها ويذيعُها تديُّنًا وتقرُّبًا بزعمه إلى الله تعالى، وهو نائب إبليسَ ولا يشعرُ، فإن الذين يُحِبُّون أن تشيعَ الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، هذا إذا أحبُّوا إشاعَتَها وإذاعَتَها١، فكيف إذا تولَّوْا هم إشاعَتَها وإذاعَتَها [لا] نصيحة٢ منهم، ولكن طاعةً٣ لإبليس ونيابةً عنه؟! كل ذلك لينفِّرَ الناسَ عنه، وعن الانتفاع به، وذنوب هذا ولو بلغت عَنان السَّماء أهونُ عند الله من ذنوب هؤلاء، فإنها ظلمٌ منه لنفسه، إذا استغفرَ اللهَ وتابَ إليه قبل اللهُ وتوبَتَهُ، وبدَّلَ سيئاتِهِ حسنات، وأما ذنوبُ أولئك فظلم للمؤمنين وتَتَبُّعٌ لعورتهم وقصدٌ لفضيحتهم، والله -سبحانه- بالمرصاد لا تخفى عليه كمائنُ الصدور ودسائسُ النفوس.

* فإنْ أعْجَزَ الشيطانَ عن هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الرابعة وهي: الصَّغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي ﷺ: "إيَّاكُمْ ومُحَقَّرَاتِ الذُّنُوب، فإنَّ مَثَلَ ذلك مَثَلُ قَوْمٍ نزلوا بفَلاةٍ من الأرض ... "٤، وذكر حديثًا معناه: أن كل واحد منهم جاء بعُود

  1. (١) من (ع) فقط.
  2. (٢) زيادة يستقيم بها النص.
  3. (٣) ملحقة في هامش (ق).
  4. (٤) أخرجه أحمد: (٥/ ٣٣١) وغيره من حديث سهل بن سعد ﵁ ولفظه: "إيَّاكم ومُحَقَّرَات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ وجاء ذا بعود حتى انضجوا خبزتهم، وإن محقَّرات الذنوب متى يُؤخَذ بها صاحبها تُهْلِكه".
    قال الحافظ فى "الفتح": (١١/ ٣٣٧): "إسناده حسن".
    وله شاهد من حديث ابن مسعود، أخرجه أحمد: (٦/ ٣٦٧ رقم ٣٨١٨). وفى سنده ضعف، ولفظه أقرب إلى ما ذكره المؤلِّف.
800

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي