ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة اشتراكُهما في الوحي الشيطاني قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾[الأنعام: ١١٢] فالشيطانُ يوحي إلى الإنسي باطلَه، ويوحيه الإنسيُّ إلى إِنسي مثلِه، فشياطين الإنس والجن١ تشترك في الوحي الشيطاني وتشترك فى الوسوسة، وعلى هذا فتزولُ تلك الإشكالات والتعسفات التي ارتكبها أصحابُ القول الأول.
وتدلُّ الآيةُ على الاستعاذة من شرِّ نوعي الشياطين: شياطين الإنس والجن. وعلى القول الأول٢ إنما تكون الاستعاذةُ من شرِّ شياطين الجن فقط، فتأمله فإنه بديعٌ جدًّا.
فهذا ما منَّ الله به من الكلام على بعض أسرار هاتين السورتين، وله الحمد والمنّة، وعسى أن يساعد بتفسير على هذا النَّمَط، فما ذلك على الله بعزيز، والحمد لله رب العالمين، ونختم الكلام على السورتين بذكر:
قاعدةٍ نافعةٍ
فيما يعتصمُ به العبدُ من الشيطان ويستدفعُ به شره ويحترز به منه
وذلك في عشرة أسباب:
أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٦﴾[فصلت: ٣٦]،
(١) من قوله: "يوحي بعضهم ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(٢) قوله: "وتدل الآية ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
وفي موضع آخر: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠﴾١[الأعراف: ٢٠٠]، وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع العام.
وتأمل سرَّ القرآن الكريم كيف أكَّدَ الوصفَ بالسميع العليم بذكر صيغة "هو": الدَّالِّ على تأكيد النسبة واختصاصها، وعرَّفْ الوصف بالألف واللام في سورة (حم) لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركَه في سورة (الأعراف) لاستغناء المقام عنه، فإن الأمر بالاستعاذة في سورة (حم) وقع بعد الأمر بأشقِّ الأشياءِ على النفس، وهو مقابلةُ إساءة المسيءِ بالإحسان إليه، وهذا أمرٌ لا يقدرُ عليه إلا الصابرونَ، ولا يُلَقَّاه إلا ذو حَظٍّ عظيم، كما قال الله تعالى.
والشيطانُ لا يدعُ العبدَ يفعل هذا، بل يُرِيه أن هذا ذُلٌّ وعَجْزٌ، ويسلِّطُ عليه عَدُوَّهُ، فيدعوه إلى الانتقام ويُزَيِّنُه له، فإن عَجَزَ عنه دعاه إلى الإعراض عنه، وأن لا يسيءَ إليه ولا يُحْسِنَ، فلا يُؤثِر الإحسانَ إلى المسيء إلا من خالفَه وآثَر الله تعالى وما عندَهُ على حظِّه العاجل، فكان المقام مَقام تأكيد وتحريض، فقال فِيه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٦﴾.
وأما في سورة (الأعراف) فإنه أمره أن يُعْرِضَ عن الجاهلين، وليسَ فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان بل بالإعراض، وهذا سهلٌ على النُّفوس غير مُسْتعصٍ٢ عليها، فليس حرصُ الشيطان وسعيُه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ