قال النبي ﷺ: "وَأنَا آمُرُكُمْ بخَمْسٍ اللهُ أمَرَنِي بِهِنَّ، السَّمْعِ، والطَّاعَةِ، والجِهَادِ، والهِجْرَةِ، والجَمَاعَةِ، فإنَّ مَنْ فارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلام مِنْ عُنُقِهِ إلاّ أنْ يُراجِعَ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى الجَاهِليَّة فَإنَّهُ مِنْ جُثَى جَهَنمَ"، فقالَ رجل: يا رسول الله: وإنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قال: "وَإنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بدَعْوَى اللهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المؤمنِينَ عِبادَ اللهِ"١.
قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسن غريب صحيح". وقال البخاري: الحارثُ الأشْعَرِيُّ له صحبة وله غير هذا الحديث.
فقد أخبر النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث أن العبدَ لا يحرزُ نفسَه من الشيطان إلا بذكر الله، وهذا بعينه هو الذي دلَّت عليه سورةُ
(١) أخرجه أحمد: (٢٨/ ٤٠٤ رقم ١٧١٧٠)، والترمذي رقم (٢٨٦٣)، وابن خزيمة رقم (١٨٩٥)، وابن حبان "الإحسان": (١٤/ ١٢٤)، والحاكم: (١/ ٤٢١)، وغيرهم. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب" ثم ذكر كلام البخاري الذي نقله المصنف. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. ووقع في (ع،: "رِبَق" على الجمع، والجُثا: جمع جُثوة بضم الجيم وهو الشيء المجموع. انظر "النهاية فى غريب الحديث": (١/ ٢٣٩).
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١﴾، فإنه وصف الشيطانَ فيها بأنه الخناس، والخَنَّاسُ١ الذي إذا ذكر العبدُ اللهَ انخنسَ وتجمَّعَ وانقَبَضَ، وإذا غَفَل عن ذكر الله التقم القلب، وألقى إليه الوساوسَ التي هي مبادئ الشَّرِّ كُلِّه، فما أحرزَ العبدُ نفسَهُ من الشَّيطان بمثل ذكر الله ﷿.
الحرز التاسع: الوضوء والصلاة: وهذا من أعظم ما يتحرَّز به منه، ولا سيَّما عند ثَوَران٢ قوَّة الغضب والشهوة، فإنها نارٌ تغلي في قلب ابن آدم، كما في الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: "أَلا وإنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَمَا رَأيْتُمْ إلَى حُمْرَةِ عَيْنيهِ وانْتِفَاخِ أوْداجِهِ، فَمَنْ أحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأرْضِ"٣.
وفي أثر آخر: "إنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وإنَّمَا تُطْفَأْ النَّارُ بالمَاءِ"٤، فما أطفأْ٥ العبدُ جمرةَ الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاةَ، فإنها نارٌ والوضوء يُطفِئُها، والصَّلاةُ إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثَرَ ذلك كُلِّه، وهذا أمرٌ تجرِبته تُغْني عن إقامة الدليل عليه.
الحرز العاشر: إمساكُ فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة
(١) (ظ ود): "الخانس".
(٢) (ظ ود): "توارد".
(٣) أخرجه أحمد: (١٨/ ١٣٢ رقم ١١٥٨٧)، والترمذي رقم (٢١٩١)، وغيرهم قال الترمذي: "حسن" -كما في "تحفة الأشراف" (٣/ ٤٦٨) - لكن فيه: علي ابن زيد بن جدعان فيه ضَعْف.
(٤) أخرجه أحمد: (٢٩/ ٥٠٥ رقم ١٧٩٨٥)، وأبو داود رقم (٤٧٨٤) وغيرهم من حديث عطية السعدي ﵁. وفي سنده ضعف.