بدائع الفوائد
رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌعليه ولا عن بعضِهِ أنتَ صابِرُ

وقال المتنبي١:

وأنا الذي اجْتَلَبَ المَنِيَّةَ طَرْفُةُفمَنِ المُطَالبُ والقَتِيلُ القَاتِلُ

ولي من أبيات٢:

يا راميًا بسِهام اللَّحظ مجتهدًاأنت القتيلُ بما تَرْمي فلا تُصِبِ
وباعثَ الطَّرْف يرتادُ الشِّفَاءَ لهتوَفِّه إنَّه يَرْتَدُّ بالعَطَبِ
ترجو الشفاءَ بأحداقٍ بها مَرَضٌفهل سمعت ببُرْءٍ جاءَ من عَطَبِ
ومُفْنِيًا نفسَه في إثْرِ أقبحِهِمْوصفًا للطخ جمال فيه مستلبِ
وواهبًا عُمْرَه في مثل ذا سفهًالو كنتَ تعرفُ قدْر العمر لم تَهَبِ٣
وبائعًا طيبَ عيشٍ ما له خَطَرٌبطيْف عيش من الآلام منتهبِ
غُبِنْتَ واللهِ غُبْنًا فاحشًا فلو اســتَرْجَعْتَ ذا العقدَ لم تُغْبَنْ ولم تَخبِ

وواردًا صفوَ عيش كلُّه كَدَرٌ .. أمامَكُ الوِرْدُ صفوًا ليس بالكذب

وحاطبَ اللَّيلِ في الظَّلماء منتصبًالكلِّ داهيةٍ تُدْني من العَطَب
شاب الصِّبا والتَّصابي بَعْدُ لم يَشِبِوضاعَ وقتُك بين اللَّهوِ واللَّعِبِ
وشمسُ عمرك قد حان الغروبُ لهاوالفيء في الأفق الشرقيِّ لم يغبِ
وفاز بالوصلِ من قد فازَ وانْقشعَتْعن أفقه ظُلُماتُ اللَّيلِ والسُّحُب
  1. (١) "ديوانه -مع الشرح المنسوب للعكبري": (٣/ ٢٥٠).
  2. (٢) ذكرها المؤلف في "الفوائد": (ص/ ١٤٥ - ١٤٦) دون الأول، مع اختلاف في بعضها، وذكر منها بيتين في "الروضة": (ص/ ٩٧) معزوَّة إليه.
  3. (٣) هذا البيت وما قبله متأخران في (ق) على قوله: "وبائعًا طيب ... ".
818
كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلتْورسْلُ ربِّك قد وافتْكَ في الطَّلَبِ
ما في الديار وقد سارتْ ركائِبُ مَنْتهواه للصَّبِّ من سكنى ولا أَرَبِ
فأَفْرِش الخدَّ ذيَّاك التُّرَابَ وقلما قاله صاحبُ الأشواق في الحِقَبِ
ما رَبْعُ مَيَّةَ محفوفًا يطيف بهغَيْلان أشهى له من رَبْعِكَ الخرِب
ولا الخدودُ وإن أُدْمِينَ من ضَرَجأشهى إلى ناظرِي من خدِّكَ التَّرِبِ١
منازلًا كان يهواها ويألفُهاأيامَ كان منالُ٢ الوصل عن كَثَبِ
وكلما جليت تلك الرُّبوعُ لهيهوي إليها هُوِيَّ الماءِ في صَبَبِ
أحيا له الشَّوْقُ تَذْكارَ العهودِ بهافلو دعا القلبُ للسُّلْوانِ لم يُجِبِ
هذا وكم منزلٍ في الأرض يألفُهُوما له في سواها الدَّهْرَ مِنْ رَغَبِ
ما في الخيام أخو وجدٍ يريحُك إنبَثَثْتَهُ بعضَ شأن الحبِّ فاغتربِ
وأَسْرِ في غَمَرَات الليلِ مهتديًابنفحةِ الطِّيب لا بالنَّار والحَطَبِ
وعادِ كلَّ أخي جُبْن ومَعْجَزَةٍوحارب النفسَ لا تُلْقِيكَ في الحَرَبِ
وخذ لنفسِكَ نورًا تستضيءُ بهيوم اقتسام الورى الأنوارَ بالرُّتَبِ
فالجسرُ ذو ظلماتٍ ليسَ تقطعُهُإلا بنور يُنَجِّي العبدَ في الكُرَبِ

والمقصود أن فضول النظر أصل البلاء٣.

وأما فضول الكلام؛ فإنها تفتحُ للعبدِ أبوابًا من الشر، كلها مداخل

  1. (١) هذا والذي قبله لأبي تمام "ديوانه": (١/ ٩٩) ضمَّنهما المؤلف.
  2. (٢) (ظ ود): "مناك".
  3. (٣) (ق): "كل بلاء".
819

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي