بدائع الفوائد
كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلتْورسْلُ ربِّك قد وافتْكَ في الطَّلَبِ
ما في الديار وقد سارتْ ركائِبُ مَنْتهواه للصَّبِّ من سكنى ولا أَرَبِ
فأَفْرِش الخدَّ ذيَّاك التُّرَابَ وقلما قاله صاحبُ الأشواق في الحِقَبِ
ما رَبْعُ مَيَّةَ محفوفًا يطيف بهغَيْلان أشهى له من رَبْعِكَ الخرِب
ولا الخدودُ وإن أُدْمِينَ من ضَرَجأشهى إلى ناظرِي من خدِّكَ التَّرِبِ١
منازلًا كان يهواها ويألفُهاأيامَ كان منالُ٢ الوصل عن كَثَبِ
وكلما جليت تلك الرُّبوعُ لهيهوي إليها هُوِيَّ الماءِ في صَبَبِ
أحيا له الشَّوْقُ تَذْكارَ العهودِ بهافلو دعا القلبُ للسُّلْوانِ لم يُجِبِ
هذا وكم منزلٍ في الأرض يألفُهُوما له في سواها الدَّهْرَ مِنْ رَغَبِ
ما في الخيام أخو وجدٍ يريحُك إنبَثَثْتَهُ بعضَ شأن الحبِّ فاغتربِ
وأَسْرِ في غَمَرَات الليلِ مهتديًابنفحةِ الطِّيب لا بالنَّار والحَطَبِ
وعادِ كلَّ أخي جُبْن ومَعْجَزَةٍوحارب النفسَ لا تُلْقِيكَ في الحَرَبِ
وخذ لنفسِكَ نورًا تستضيءُ بهيوم اقتسام الورى الأنوارَ بالرُّتَبِ
فالجسرُ ذو ظلماتٍ ليسَ تقطعُهُإلا بنور يُنَجِّي العبدَ في الكُرَبِ

والمقصود أن فضول النظر أصل البلاء٣.

وأما فضول الكلام؛ فإنها تفتحُ للعبدِ أبوابًا من الشر، كلها مداخل

  1. (١) هذا والذي قبله لأبي تمام "ديوانه": (١/ ٩٩) ضمَّنهما المؤلف.
  2. (٢) (ظ ود): "مناك".
  3. (٣) (ق): "كل بلاء".
819

للشيطان، فإمساك فضول الكلام يسُدُّ عنه تلك الأبوابَ كلَّها، وكم منْ حرب جرَّتها كلمةٌ واحدة، وقد قال النبي ﷺ لمعاذ: "وَهَلْ يكُبُّ النّاسَ عَلَي مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إلَّا حَصَائِدُ ألْسِنتَهِمْ"١. وفي التِّرمذي أن رجلًا من الأنصار توفي فقال بعض الصحابة: طوبى له، فقال النبي ﷺ: "فَمَا يُدْرِيكَ فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا لا يَعْنِيهِ، أَوْ بَخلَ بِمَا لا يَنْقُصُهُ"٢.

وأكثر المعاصي إنما تولدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسعُ مداخل الشيطان، فإن جارحتيهما لا يَمَلَّانِ ولا يسأمان، بخلاف شَهْوة البطن، فإنه إذا امتلأ لم يَبْقَ فيه إرادةٌ للطعام، وأما العين واللِّسان فلو تُرِكا لم يفتُرا من النظر والكلام، فجنايتُهما مُتَّسِعَةُ الأطراف، كثيرةُ الشُّعَبِ، عظيمةُ الآفات، وكان السلف يحذِّرون من فضول النظر، كما يحَذِّرون من فضول الكلام٣، وكانوا يقولون: "ما شيءٌ أحوجَ إلى طول السَّجن من اللِّسانٍ"٤.

وأما فضولُ الطعام، فهو داعٍ إلى أنواع كثيرة من الشَرِّ، فإنه يحَرِّكُ الجوارحَ إلى المعاصي، ويثقلُها عن الطاعات، وحسبُك بهذين شرًّا! فكم مِنْ مَعصيةٍ جلبها الشبعُ وفضولُ الطعام، وكم من طاعة حال

  1. (١) أخرجه أحمد: (٥/ ٢٣١)، والترمذي رقم (٢٦١٦)، وابن ماجه رقم (٣٩٧٣)، والحاكم: (٢/ ٤١٣) وغيرهم.
    قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم.
  2. (٢) أخرجه الترمذي رقم: (٢٣١٦)، وأبو نعيم في "الحلية": (٥/ ٥٦) من حديث أنسٍ ﵁، وقال الترمذي: "غريب" مشيرًا إلى ضعفه.
  3. (٣) "كما يحذرون عن فضول الكلام" ليست في (ظ ود).
  4. (٤) جاء هذا عن ابن مسعود ﵁ أخرجه هنَّاد في "الزهد": (٢/ ٥٣٢)، والطبراني في "الكبير": (٩/ ١٤٩)، وأبو نعيم في "الحلية": (١/ ١٣٤).
820

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي