هاتان الآيتان مشتملتانِ على آداب نوعي الدُّعاء: دعاءِ٢ العبادة ودعاءِ المسألة، فإنَّ الدعاءَ في القرآن يُرادُ به هذا تارة وهذا تارةً، ويرادُ به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاءَ المسألة هو طلب ما ينفع الدَّاعيَ، وطلب كشف ما يضرُّه أو دَفْعه٣. وكُلُّ من يملكُ الضُّرَّ والنفع حقًّا٤ فإنه هو المعبودُ حقًّا، والمعبودُ لا بُدَّ وأن يكونَ مالكًا للنفع والضُّرِّ.
ولهذا أنكر اللهُ تعالى على من عَبَدَ من دونِه ما لا يملكُ٥ ضرًّا ولا نفعًا، وذلك كثيرٌ في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾[يونس: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾[يونس: ١٥٦]، وقوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٧٦﴾[المائدة: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا
(١) من (ع)، و(ق): "فوائد قوله ... ". وهذا الفصل في تفسير الآيتين إلى آخره، منقول من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، مع إضافات يسيرة من المؤلف، انظر "مجموع الفتاوى": (١٥/ ١٠ - ٢٨).
وهذا في القرآن كثيرٌ بَيِّن = أن المعبودَ لا بُدَّ أن يكون مالكًا للنَّفع والضُّرِّ، فهو يُدْعَى للنفع والضر دعاءَ المسألة، ويُدعى خوفًا ورجاءً دعاءَ العبادة، فعُلِم أن النوعين متلازمانِ، فكلُّ دعاء عبادة مستلزمٌ لدعاء المسألة، وكلُّ دعاءِ مسألة متضمن لدعاء العبادة، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾[البقرة: ١٨٦] يتناول نوعَي الدعاء، وبكلٍّ منهما فُسِّرتْ الآية، قيل: أُعْطِيه إذا سألني، وقيل: أُثِيبه إذا عبدني، والقولان متلازمانِ، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمالٌ له في حقيقته الواحدة المتضمِّنة للأمرين جميعًا، فتأمَّلْه فإنه موضعٌ عظيم النفع، قَلَّ مَنْ يفطَنُ له.
وأكثر ألفاظ القرآن الدّالَّة على معنيين فصاعدًا هي من هذا القبيل، ومثال ذلك قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾[الإسراء: ٧٨]