بدائع الفوائد

ونهى عبادَه عن إفسادها بالشِّرك به وبمخالفة رسوله.

ومن تدَّبَر أحوال العالم وجدَ كلَّ صلاحٍ في الأرض فسببُهُ توحيد الله وعبادتُهُ وطاعة رسوله، وكل شرٍّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدُوٍّ وغير ذلك، فسببهُ١ مخالفةُ رسوله والدَّعوة إلى غير الله ورسوله.

ومن تدبَّرَ حقَّ التَّدَبُّرِ، وتأمَّلَ أحوالَ العالم منذ قامَ إلى الآنَ، وإلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها = وجَدَ هذا الأمرَ كذلك في خاصَّة نفسه، وفي حقِّ غيره عمومًا وخصوصًا، ولا قوَّة إلا بالله.

فصل

وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، إنما كرر الأمر٢ بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع، فأمر أولًا بدعائه تضرعًا وخفية، ثم أمر بأن يكونَ الدُّعاءُ أيضًا خوفًا وطمعًا، وفصَل بين الجملتين بجملتين:

أحدهما: خبرية ومتضمِّنة للنَّهْي، وهي قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥﴾ [الأعراف: ٥٥].

والثانية: طلبية، وهي قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، والجملتانِ مقرِّرتانِ مُقويتان٣ للجملة الأولى مُؤَكِّدتانِ لمضمونِها.

ثم لما تمَّ تقريرها وبيان ما يضادّها ويناقضها أمر بدعائه خوفًا

  1. (١) سقطت من (ع).
  2. (٢) (ظ ود): "ذكر".
  3. (٣) (ظ ود): "مقرونتان" بدلًا من "مقررتان مقويتان".
857

وطمعًا، ثم قرَّرَ ذلك، وأكد مضمونه بجملة خبرية، وهي قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦﴾ [الأعراف: ٥٦]، فتعَلُّق هذه: الجملة١ بقوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ كتعلق قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥﴾ بقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.

ولما كان قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ مشتملًا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي: الحب والخوف والرجاء عقَّبها بقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦﴾ [الأعراف: ٥٦]، أي: إنما ينال من دعاه خوفًا وطمعًا، فهو المحسِنُ والرحمة قريبٌ منه؛ لأن مدارَ الإحسان على هذه الأصول الثلاثة.

ولما كان دعاءُ التَّضَرُّع والخُفية يقابلُه الاعتداء بعدم التَّضَرُّع٢ والخُفية، عَقَّب ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥﴾.

وانتصابُ قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ و﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، قيل: هو على الحال، أي: ادعوه متَضَرِّعِنَ مُخْتَفِين خائفينَ طامعينَ، وهذا هو الذي يُرَجِّحه السُّهَيْلِيُّ وغيره٣. وقيل: هو نصبٌ على المفعول به، وهذا قولُ كثير من النُّحاة، وقيل: هو نصبٌ على المصدر، وفيه على هذا تقديران؛ أحدهُما: أنهْ منصوبٌ بفعل مقدَّر من لفظ المصدر، والمعنى: تَضَرَّعوا إليه تَضَرُّعًا واخفوا خُفْيَةً، والثاني: أنه منصوبٌ بالفعلِ المذكور نفسه؛ لأنه في معنى المصدر، فإن الدَّاعي متَضرِّعٌ طامعٌ في حصول مطلوبه خائفٌ من فواتِهِ، فكأنه قال: تَضَرَّعوا تضرُّعًا.

  1. (١) من قوله: "بجملة خبرية ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
  2. (٢) "يقابله الاعتداء بعدم التضرع" سقطت من (ع).
  3. (٣) انظر: "مشكل إعراب القرآن": (ص/ ٢٧٩)، و"الكشاف": (٢/ ٦٥).
858

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي