بدائع الفوائد

مذكَّر، ففيه اثنا عَشَرَ مسلكًا نذكرها، ونبيِّنُ ما فيها من صحيح وسقيم ومقارب:

المسلك الأول: أن فَعِيلًا على ضَرْبين:

أحدهما: يأتي بمعنى فاعل، كقَدِير وسَمِيع وعليم.

والثاني: يأتي بمعنى مفعول، كقَتِيل وجَرِيح، وكفٍّ خَضِيب، وطَرْف كَحِيل، وشعر دَهِين، كله بمعنى مفعول.

فإذا أتى بمعنى فاعل فقياسه أن يجري مجراه في إلحاق التاء به مع المؤنث دون المذكر كجميل وجميلة، وشَرِيف وشَرِيفة، وصَبِيح وصَبِيحة، ووضيء ووضيئة١، ومَلِيح ومَلِيحة، وطويل وطويلة، ونحوه.

وإذا أتى بمعنى مفعول فلا يخلو إما أن٢ يصحب الموصوف، كرجل قَتِيل وامرأة قَتِيل، أو يفرد عنه، فإن صحبَ الموصوف استوى فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، كـ"رجُلٍ قَتِيلٍ وامرَأَةٍ قَتِيلٍ" وإن لم يصحبِ الموصوفَ، فإنه يؤنَّثُ إذا جرى على المؤنَّث نحو "قَتِيلَةُ بني فُلانٍ"، ومنه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ...﴾ إلى قوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣]، هذا حكم فعيل. وفعولٌ قريب منه لفظًا ومعنى، فإنهما مشتبهان في الوزن والدّلالة على المبالغة وورودهما بمعنى فاعل ومفعول.

ولما كان (فعِيلٌ) أخفَّ استُغْنِيَ به عن (فاعل) في المضاعَف، كـ "جَلِيل وعَزِيز وذَلِيل"، كراهِيَةً منهم لثقل التضعيف إذا قالوا:

  1. (١) (ظ): "وصَبي وصَبيَّة".
  2. (٢) (ظ) زيادة: "يكون".
863

"جالِل وعازِز وذالِل"، فأتوا بفَعِيل مفصولًا فيه بين المِثْلَين بالياء الساكنة، ولمْ يأتوا في هذا بفعول؛ لأن فعيلًا أخف منه، ولِخفَّتِهِ أيضًا اطَّرد بناؤُه من "فَعُلَ" كشريف وظريف، وجميل ونَبِيل، وليس لـ "فعوِل" بناءٌ يطَّرِدُ منْه، ولخفَّته أيضًا كان في أسماء اللهَ تعالى أكْثَرُ من "فَعُول" فإن الرحيم والقَدير والحَسيب والجَليل والرَّقيب ونظائره أكثر من ألفاظ الرَّؤوف والغَفور والشَّكور والصَّبور والوَدود والعَفُوُّ، ولا يُعرفُ إلا هذه الألفاظ الستة.

وإذا ثبتَ التشابُهُ بين "فَعِيل وفَعُول" فيما ذكرنا، وكانوا قد خَصُّوا "فعولًا" الذي بمعنى فاعل بتجريده من التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث، وشرَّكوا بينهما في لفظ المذكر، فقالوا: "رجل صبورٌ وشَكور"، و"امرأة صَبُورٌ وشكور" ونظائرهما، وأما "عدوٌّ وعدوَّةٌ" فشاذٌّ.

فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر والمؤنث كـ: "رَجُلٍ مَلُولَةٍ وفَروقَةٍ" وامرأة كذلك: وإن كان فعول في معنى مفعول لحقته التاء في المؤنث كـ: "حَلُوبة ورَكُوبة".

فإذا تقرَّر ذلك فـ "قريب" في الآية هو فعيل بمعنى فاعل، وليس المرادُ أنه بمعنى قارب، بل بمعنى اسم الفاعل العام، فكان حقَّه أن يكون بالتاء، ولكنهم أجْرَوْه مجرى: فَعِيل بمعنى مفعول، فلم يُلحقوه التاء، كما جرى فعيل بمعنى مفعول مجرى فعيل بمعنى فاعل في إلحاقه التاء، كما قالوا: "خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ وفَعْلَة ذَمِيمَةٌ"، بمعنى: محمُودة ومَذْمُومة، فحملًا على: "جَمِيِلة وشَرِيفة" في لحاق التاء فحملوا "قريبًا" على: "امرأة قتِيلٍ وكفٍّ خَضِيب وعين كَحِيل" في عدم لحاق التاء، حمْلًا لكل من البابينِ على الآخر.

ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٧٨﴾ [يس: ٧٨]

864

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي