بدائع الفوائد

وقال الفرزدق١:

فَدَاوَيْتُهُ عَامَيْنِ وهي قَريبةٌأَرَاها وتَدْنو لي مِرارًا وأَرْشُفُ

ويقولون: "امرأَةٌ فَتِينٌ وسَرِيحٌ وهَرِيتٌ"٢، فجرَّدوه من التاء وهو بمعنى فاعل، وقالوا: "امْرَأَةٌ فَروكٌ، وهَلُوكٌ، ورَشُوفٌ، وأَنُوفٌ، وَرَصوفٌ"٣، فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور، وقالوا: "امْرأَةٌ عَرُوبٌ"٤، فجردوه أيضًا، ثم قالوا: "امرَأَةٌ مَلُولَةٌ وفُرُوقَةٌ"، فقرنوه بالتاء وهو بمعنى فاعل أيضًا، ودعوى أن التاء هاهنا للمبالغة لا دليل عليها، فقد رأيتَ اشتراكَ فَعُول وفَعِيل في الاقتران بالتاء والتجرُّد منها، فدعوى أصالةِ المجرَّد منهما، وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها، ومع مقابِلِها قياسُ اللغة في اقتران المؤنَّث وتجريد المذكَّر.

وأما ما استشهدتم به من قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٧٨﴾، فهو على وَفْق قياس العربية، فإن العظامَ جمع عَظْم، وهو مذكَّر، ولكن جمعه جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز أن يُرَاعَى فيه تأنيثُ الجماعة، وباعتباره قال: (وهي)، ولم يقلْ: (وهو)، ويُرَاعى فيه معنى الواحد، وباعتباره قال: "رَمِيم"، كما يقال: "عظمٌ رَمِيم"، مع أن رَمِيمًا يطلقُ على٥ المذكر مفردًا

  1. (١) "ديوانه": (ص/ ٤٣٢).
  2. (٢) فَتِين من الفتنة، والسريح: المطلقة التي لا زوج لها، والهريت: المرأة المفضاة. انظر "القاموس".
  3. (٣) الفروك: المبغضة لزوجها، والهلوك: الفاجرة أو الحسنة التبعُّل، من الأضداد، والرشوف: طيبة الفم، والأنوف: طيبة رائحة الأنف، ورصوف: ضيِّقة المكان.
  4. (٤) العروب: المتحببة إلى زوجها.
  5. (٥) (ق وظ) زيادة: "جمع".
866

وجمعًا، قال جرير١:

آلُ المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهُمْأَمْسَوا رَمِيمًا فلا أَصْلٌ ولا طَرَفُ

فهذا الاعتراضُ على هذا المسلكِ.

فصل

المسلك الثاني: أن "قريبًا" في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر٢:

أرى رجلًا منهم أَسِيفًا كأنَّمايَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًا مُخَضَّبا

فكفٌّ مؤنَّثٌ، ولكن تأوَّلَه بمعنى عُضْو وطَرَف، فذكر صفتَه، فكذلك تُتأوَّلُ الرحمة وهى مؤنثة بالإحسان، فيذكر خبرها. قالوا: وتأويلُ الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكفِّ بعضوٍ لوجهين:

أحدهما: أن الرحمةَ معنًى قائمٌ بالرَّاحم، والإحسان هو بِرُّ المرحوم، ومعنى القُرْب في البر من المحسنين أظهرُ منه في الرحمة.

الثاني: أن ملاحظة الإحسان في الرَّحمة الموصوفة بالقُرْب من المحسنين، هو مقابل الإحسان٣ الذي صدر منهم، وباعتبار المقابلة ازداد المعنى قُوَّةً، واللفظُ جزالةً، حتى كأنه قال: إن إحسان الله قريبٌ من أهل الإحسان، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ٦٠﴾ [الرحمن: ٦٠] فذكر "قريبًا" ليفهم منه أنه صفةٌ

  1. (١) "ديوانه": (ص / ٣٠٨)، وفيه: "أمسو رمادًا".
  2. (٢) هو: الأعشى "ديوانه": (ص/ ٦٠).
  3. (٣) من قوله."في الرحمة الموصوفة ... " إلى هنا سقط من (ظ)، وفي (ع): "بالرحمة ... هو مقابلة للإحسان".
867

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي