بدائع الفوائد

وجمعًا، قال جرير١:

آلُ المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهُمْأَمْسَوا رَمِيمًا فلا أَصْلٌ ولا طَرَفُ

فهذا الاعتراضُ على هذا المسلكِ.

فصل

المسلك الثاني: أن "قريبًا" في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر٢:

أرى رجلًا منهم أَسِيفًا كأنَّمايَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًا مُخَضَّبا

فكفٌّ مؤنَّثٌ، ولكن تأوَّلَه بمعنى عُضْو وطَرَف، فذكر صفتَه، فكذلك تُتأوَّلُ الرحمة وهى مؤنثة بالإحسان، فيذكر خبرها. قالوا: وتأويلُ الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكفِّ بعضوٍ لوجهين:

أحدهما: أن الرحمةَ معنًى قائمٌ بالرَّاحم، والإحسان هو بِرُّ المرحوم، ومعنى القُرْب في البر من المحسنين أظهرُ منه في الرحمة.

الثاني: أن ملاحظة الإحسان في الرَّحمة الموصوفة بالقُرْب من المحسنين، هو مقابل الإحسان٣ الذي صدر منهم، وباعتبار المقابلة ازداد المعنى قُوَّةً، واللفظُ جزالةً، حتى كأنه قال: إن إحسان الله قريبٌ من أهل الإحسان، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ٦٠﴾ [الرحمن: ٦٠] فذكر "قريبًا" ليفهم منه أنه صفةٌ

  1. (١) "ديوانه": (ص / ٣٠٨)، وفيه: "أمسو رمادًا".
  2. (٢) هو: الأعشى "ديوانه": (ص/ ٦٠).
  3. (٣) من قوله."في الرحمة الموصوفة ... " إلى هنا سقط من (ظ)، وفي (ع): "بالرحمة ... هو مقابلة للإحسان".
867

لمذكَّر، وهو الإحسانُ، فيفهم المقابلة المطلوبة. قالوا: ومن تأويل المؤنث بمذكَّر ما أنشده الفَرَّاء١:

وَقَائِعُ في مُضَرٍ تِسْعَةٌوفي وائِلٍ كانَتِ العاشِرَهْ

فتأوَّلَ الوقائعَ وهي مؤنَّثَةٌ بأيام الحرب المذكَّرة، فأَنَّث العَدَدَ الجاري عليها، فقال: تسعة، ولولا هذا التأويل لقال: تِسْعٌ؛ لأن الوقائع مؤنثة، قالوا: وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال: "جاءَتْهُ كِتابي"، أي: صَحِيفتي، وفي قول الشاعر٢:

يا أيُّها الرَّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُسَائِلْ بني أسَدٍ ما هذهِ الصَّوْتُ

أي: ما هذه٣ الصيحَة؟ مع أنه حَمْل أصلٍ على فرع، فَلأَنْ يجوزَ تأويل مؤنث بمذكر، لكونه حَمْل فرع على أصل أولى وأحرى، وهذا وجهٌ جيد، وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين:

أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه، لجاز أن يقال: "كَلَّمَتْنِي زَيدٌ، وَأَكْرَمَتْنِي عَمْرٌو، وكَلَّمَنِي هِنْدٌ، وأكْرَمَنِي زَيْنَبُ" تأويلًا لزيْدٍ وعمْرٍو بالنفس والجثة، وتأويلًا لهندٍ وزينبَ بالشخص والشَّبَح، وهذا باطلٌ٤.

وهذا الاعتراضُ غيرُ لازم، فإنهم لم يدَّعواْ اطّرادَ ذلك، وإنما ادَّعوا أنه مما يَسُوغ أن يستعملَ، وفَرْق، بين ما يَسُوغُ في بعض الأحيان

  1. (١) أنشده ابن الأنباري في "الإنصاف": (٢/ ٧٦٩) بلا نسبةٍ.
  2. (٢) هو: رُوَيشد بن كثير الطائي، كما في "حماسة أبي تمام": (١/ ١٠٢).
  3. (٣) "ما هذه" من (ع) فقط.
  4. (٤) من قوله: "زينب، تأويلًا ... " سقط من (ق) وبياض في (ظ).
868

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي