بدائع الفوائد

وقال الآخر١:

مَشَيْنَ كما اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْأَعَالِيَها مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ

وقال الآخر:

بَغْيُ النُّفُوسِ مُعِيدَةٌ نَعْمَاءَهَانِقَمًا، وإنْ عَمِهَتْ، وطالَ غُرُورُها

فأنَّثَ الأوَّلُ: "السُّورَ" المضاف إلى المدينة، والثاني: "المَرَّ" المُضَافَ إلى الرِّياح، (ق/٢١٦ أ) والثالثُ: "البَغْيَ" المُضاف إلى النفوس، لتأنيث المُضاف إليه مع أن التذكير أصلٌ والتأنيث فرع، فحُمِل الأصل على الفرع، فَلأَنْ يجوزَ تذكيرُ المؤنث لإضافته إلى غير مؤنث أولى؛ لأنه حَمْل للفرعِ٢ على الأصل.

ومنْ الأول أيضًا قول الشاعر٣:

وتَشْرَقُ بالأَمْرِ الذي قد أَذَعْتَهُكما شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ منَ الدَّمِ

فأنث "الصَّدْرَ" لإضافته إلى القناة.

وأنشدني بعضُ أصحابنا لأبي محمد بن حزم، في هذا المعنى بإسناد لا يحضرُني:

تجنَّب صديقًا مثل ما، واحذرِ لذيتراه كعَمْرو بين عُرْبِ وأعجمِ
فإن صديقَ السَّوْءِ يُرْدِي وشاهديكما شَرِقَتْ صدْرُ القناةِ من الدَّمِ
  1. (١) البيت لذي الرمة "ديوانه": (٢/ ٧٥٤)، والرواية فيه:
    *رويدًا كما اهتزت ..... *
  2. (٢) (ع وظ): "حَمَل الفرعَ".
  3. (٣) البيت للأعشى "ديوانه": (ص/١٨٣).
880

ومنه قول النابغة الذبياني١:

حتى اسْتَغَاثَتْ بأهلِ المِلْحِ ضَاحِيَةًيَرْكُضْنَ قد قَلِقَتْ عقد الأطانيبِ

ومنه قول لبيد٢:

فمضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةًمنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقدامُهَا

وهذا المسلكُ وإن كان قد ارتضاه غيرُ واحد من الفضلاء فليس بقَويٍّ؛ لأنه إنما يُعْرَفُ مجيئهُ في الشعر، ولا يُعرفُ في الكلام الفصيح منه إلا النَّادر، كقولهم: "ذَهبَتْ بعضُ أَصابِعِهِ" والذي قوَّاه هاهنا شدَّةُ اتِّصال المُضاف بالمضاف إليه، وكونُه جزؤُه حقيقة، فكأنه قال: "ذَهبَتْ إصْبَعٌ أو إصْبَعَانِ مِنْ أصَابعِهِ"، وحَمْل القرآن على المكثور الذي خلافُهُ أفصحُ منه ليس بسهل.

فصل

المسلك السادس: إن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر؛ لكونه تَبعًا له ومعنًى من معانيه، فإذا ذُكر أغنى عن ذكره؛ لأنه يُفهم منه.

ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ٤﴾ [الشعراء: ٤] فاستغنى عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها، ومنه في أحدِ الوجوه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، المعنى: واللهُ أحقُّ أن يُرضوه

  1. (١) "ديوانه": (ص/ ٥٠) لكن الرواية فيه:
    حتى استغاثت بأهل الملح ما طَعِمَت ... في منزلٍ طَعْم نومِ غيرَ تأويبِ
  2. (٢) من معلقته انظر "شرح المعلقات": (ص/ ٥٥٠) لابن الأنباري.
881

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي